الشيخ محمد رشيد رضا
313
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
صداع وغثيان وهو مما يسهل عليهم احتماله وترجيح لذة النشوة عليه ، وأما ما يولده السكر من أمراض القلب والكبد والجهاز التناسلي وما يترتب عليه من ضعف النسل واستعداده للأمراض وانقطاعه أحيانا وغير ذلك من الأمراض الجسدية والعصبية ( العقلية ) فهي تحصل ببطء ، وقلما يعلم غير الأطباء أنها من تأثير السكر ، ثم قلما يفيد العلم بها بعد بلوغ تأثيرها هذه الدرجة أن تحمل السكور على التوبة ، لان داء الخمار يزمن وحب السكر يضعف الإرادة « 1 » ومضار الزنا الجسدية أخفى من مضار الخمر والميسر ، ومفاسده الاجتماعية ، أخفى من مضاره الجسدية ، فما كل أحد يفطن لها . ويا ليت كل من علم بضرر ذنبه بعد وقوعه يرجع عنه ويتركه ويتوب إلى اللّه تعالى منه ، ولا يكتفي بالاعتراف بظلمه ، ولا بالاار بذنبه ، فان هذا لا فائدة له فيه لا في دنياه ولا في دينه ، وإذا كان الراسخ في الفسق لا يتوب من ذنب وقع عليه ضرره وعلم به ، فكيف يتوب من ذنب لم يصبه منه ضرر أو أصابه من حيث لا يدري به ؟ انما تسهل التوبة على المؤمنين الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من يب ، وإلا فهي لاولي العزائم القوية الذين تقهر ارادتهم بشهواتهم وهم الأقلون « 2 » وأما ذنوب الأمم فعقابها في الدنيا مطرد ولكن لها آجالا ومواقيت أطول من مثلها في ذنوب الافراد وتختلف باختلاف أحوالها في القوة والضعف كما تختلف في الافراد بل أشد . فإذا ظهر الظلم واختلال النظام وفشا الترف وما يلزمه من الفسق والفجور في أمة من الأمم تمرض أخلاقها فتسوء أعمالها وتنحل قواها ، ويفسد أمرها وتضعف منعتها ، ويتمزق نسيج وحدتها ، حتى تحسب جميعا وهي شتى - فيغري ذلك بعض الأمم القوية بها ، فتستولي عليها ، وتستأثر بخيرات بلادها ، وتجعل أعزة أهلها أذلة . فهذه سنة مطردة في الأمم على تفاوت أمزجتها وقواها ، وقلما تشعر أمة بعاقبة ذنوبها قبل وقوع عقوبتها ، ولا ينفعها بعده أن يقول العارفون : يا ويلنا انا كنا ظالمين . على أنه قد يعمها الجهل حتى لا تشعر بأن ما حل بها ، انما كان بما كسبت أيديها ، فترضى باستذلال الأجنبي ، كما رضيت من قبل بما كان سببا له من الظلم الوطني ، فينطبق عليها قولنا في المقصورة
--> ( 1 ) يراجع تفصيل هذا البحث في تفسير آية البة في الخمر والميسر ( ص 341 ج 2 تفسير ) وآية المائدة فيهما ( ص 78 ج 7 ) ( 2 ) يراجع تفسير ( 4 : 16 إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ . . . ) ص 440 ج 4 تفسير