الشيخ محمد رشيد رضا
312
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
حالية حذفت منها واو الحال لاستثقال الجمع بينها وبين واو العطف والأصل : أو وهم قائلون . ولم أر أحدا تعرض لنكتة الجمع بين الحال المفردة وجملة الحال هنا والظاهر أن المقام مقام الافراد ، لا كقوله تعالى ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً ) حيث انفردنا ببيان فرق وجيه بين الحالين هنالك يقتضيه المعنى وينطبق على ما حققه الامام عبد القاهر في الفرق بينهما ولا يأتي مثله هنا لان الفرق بين الحالين خاص بما كانت الحال فيه وصفا لفاعل العامل فيها كآية النساء ومثل قولك : نذرت أن أعتكف صائما أو وأنا صائم ، وهي هنا وصف لمفعوله فتأمل . وقد بحث المفسرون الذين يعنون بالاعراب في مسألة الواو في الجملة الفعلية هل هي لام العطف أو غيرها ومتى تجب في الجملة الحالية هي والضمير معا ومتى يجب أحدهما ، وهي مباحث لفظية نعدوها لأنها قلما تفيد في المعاني ونكت البلاغة فائدة تذكر * * * ( فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ) الدعوى في اللغة اسم لما يدعيه الانسان ، والادعاء نفسه ، والدعاء بمعانيه ، والقول مطلقا ففي المصباح : ودعوى فلان كذا - أي قوله اه ومعنى الآية على هذا : فما كان قولهم - وعلى ما قبله : فما كانت غاية ما يدعونه من الدين وزعمهم فيه أنهم على الحق - أو ما كانوا يدعونه على الرسل من التكذيب وإرادة التفضل عليهم - الا الاعتراف بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم فيما كانوا عليه والشهادة ببطلانه . وفي التقدير الأول الاخبار بنوع من القول عن جنسه ، وهو غير الاخبار بالشيء عن نفسه ، والأول صحيح فصيح وإن اتحدت المادة كقوله تعالى ( وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا ) فكيف إذا اختلفت كما هنا والعبرة في الآية أن كل مذنب يقع عليه عقاب ذنبه في الدنيا يندم ويتحسر ويعترف بظلمه وجرمه إذا علم أنه هو سبب العقاب ، وما كل معاقب يعلم ذلك لان من الذنوب ما يجهل أكثر الناس أنه سبب للعقاب ، وأما الذنوب التي مضت سنة اللّه تعالى بجعل عقابها أثرا لازما لها في الدنيا فلا تطرد في الافراد كاطرادها في الأمم ، ولا تكون دائما متصلة باقتراف الذنب ، بل كثيرا ما تقع على التراخي فلا يشعر فاعلها بأنها أثر له ، مثال ذلك أن ما يتولد من شرب الخمر من الأمراض والآلام لا يعرف أكثر السكارى منه غير ما يعقب الشرب من