الشيخ محمد رشيد رضا
311
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لا حاجة اليه هنا لان الية تهلك كما يهلك أهلها ولكنهم يقدرون المضاف في قوله ( فَجاءَها بَأْسُنا ) فيقولون : جاء أهلها بأسنا - بدليل وصفهم بالبيات والقيلولة والمدينة لا تبيت ولا تقيل . والبيات الإغارة على العدو ليلا والايقاع به فيه على غفلة منه فهو اسم للتبييت ، وهو يشمل ما يدبره المرء أو ينويه ليلا ، ومنه تبييت نية الصيام . وقيل يأتي مصدرا لبات يبيت إذا أدركه الليل . والبأس الشدة والقوة والعذاب الشديد « 1 » وهو المراد هنا ، والقائلون هم الذين يقيلون أي ينامون للاستراحة وسط النهار ، وقيل يستريحون وإن لم يناموا ، يقال قال يقيل قيلا وقيلولة . والمعنى وكثيرا من إلى أهلكناها لعصيان رسلها فيما جاءوها به من عند ربها فكان هلاكها على ضربين بأن جاء بعضهم بأسنا حال كونهم مبيتين أو بائتين ليلا كقوم لوط ، وجاء بعضهم وهم قائلون آمنون نهارا كقوم شعيب . والوقتان وقتا دعة واستراحة ففيه إيذان بأنه لا ينبغي للعاقل أن يأمن صفو الليالي ولا مواتاة الأيام ، ولا يغتر بالرخاء فيعده آية على الاستحقاق له الذي هو مظنة الدوام ، وقد يعذر بالغفلة قبل مجيء النذير ، وأما بعده فلا عذر ولا عذير ، وفيه تعريض بغرور كفار يش بقوتهم وثروتهم وعزة عصبيتهم ، وبما كانوا يزعمون أنها آية رضى اللّه عنهم ( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) وليس أمرهم بأعجب من الأقوام التي عرفت هداية الآن ، أو سنن اللّه في نوع الانسان ، ثم هي تغتر بما هي عليه وإن كان دليلا على الهلاك ، ولا ترجع عن غيها حتى يأتيها العذاب وقد استشكل بعض المفسرين من الآية ما لا اشكال فيه إذ ظنوا أن عطف جاءهم على « أهلكنا » بالفاء يفيد أن مجيء البأس وقع عقب الاهلاك وهو محال لأنه سببه ، غافلين عن كونه بيانا تفصيليا لنوعين منه أحدهما ليلي والآخر نهاري كما بيناه آنفا ، وتفصى بعضهم كالزمخشري منه بأن المراد بالاهلاك إرادته كما أن أن المراد من قوله ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) إذا أردتم القيام إليها وفي الآية من مباحث اللغة والبلاغة أن قوله تعالى ( أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) جملة
--> ( 1 ) راجع تحقيق البأس والبؤس والبأساء في ص 412 ج 7 تفسير