الشيخ محمد رشيد رضا

308

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ونكتفي هنا بأن نقول إن الولاية التي هي عبارة عن تولي الامر - منها ما هو خاص برب العباد وإلههم الحق وهي قسمان ( أحدهما ) شرع الدين عقائده وعباداته وحلاله وحرامه ( وثانيهما ) الخلق والتدبير الذي هو فوق استطاعة الناس في أمور الأسباب العامة التي مكن اللّه منها جميع الناس في الدنيا ، كالهداية بالفعل ، وتسخير القلوب ، والنصر على الأعداء وغير ذلك - وكل ما يتعلق بأمر الآخرة من المغفرة والرحمة والثواب والعقاب ، فكل ما ورد من حصر الولاية في اللّه تعالى فالمراد به تولي أمور العباد فيما لا يصل اليه كسبهم وشرع الدين لهم كما فصلناه في تفسير آية البة وغيرها . والمتبادر هنا من النهي عن اتباع الأولياء من دونه تعالى هو النهي عن طاعة كل أحد من الخلق في أمر الدين غير ما أنزله اللّه من وحيه كما فعل أهل الكتاب في طاعة أحبارهم ورهبانهم فيما أحلوا لهم وزادوا على الوحي من العبادات وما حرموا عليهم من المباحات ، كما ورد في الحديث المرفوع في تفسير قوله تعالى ( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) وكل من أطاع أحدا طاعة دينية في حكم شرعي لم ينزله ربه اليه فقد اتخذه ربا ، والآية نص في عدم جواز طاعة أحد من العلماء ولا الامراء في اجتهاده في أمور العقائد والعبادات والحلال والحرام تدينا ، وما على العلماء الا بيان ما أنزله اللّه وتبليغه وارشاد الناس إلى فهمه وما عسى أن يخفى عليهم من تطبيق العمل على النص وحكمة الدين في الاحكام كبيان سمت القبلة في البلاد المختلفة ، فهم لا يتبعون في ذلك لذواتهم بل المتبع ما أنزله اللّه بنصه أو فحواه على حسب روايتهم له وتفسيرهم لمعناه ، وانما يطاع أولو الامر من الامراء وأهل الحل والعقد في تنفيذ ما أنزله اللّه تعالى وفيما ناطه بهم من استنباط الاحكام في سياسة الأمة وأقضيتها التي تختلف المصالح فيها باختلاف الزمان والمكان . والآية نص في بطلان القياس ونبذ الرأي في الأمور الدينية المحضة ، وقد فصلنا القول في ذلك وما يتعلق به من الأصول والفروع في تفسير ( 4 : 58 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) الآية « 1 » وتفسير قوله تعالى ( 5 : 104 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) الآية « 2 » ولا شك في أن اتباع الرسول ( ص ) فيما صح عنه من بيان الدين داخل

--> ( 1 ) راجع ص 180 - 222 ج 5 ( 2 ) راجع ص 125 - 201 ج 7