الشيخ محمد رشيد رضا
309
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في عموم ما أنزل الينا على لسانه ، وكذا اتباعه في أحكامه الاجتهادية فإنه تعالى أمرنا باتباعه وبطاعته ، وأخبرنا بأنه مبلغ عنه ، وقال له ( وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) والجمهور على أن الأحكام الشرعية الواردة في السنة موحى بها وان الوحي ليس محصورا في الآن ، والإمام الشافعي يقول : انها مستنبطة من الآن . وقد قال ( ص ) « إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر » رواه مسلم من حديث رافع بن خديج في مسأله تأبير النخل ، وروى من حديث موسى بن طلحة عن أبيه أنه ( ص ) قال « ان كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فاني انما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن ان حدثتكم عن اللّه شيئا فخذوا به فاني لن أكذب على اللّه عز وجل » وإذا كان عليه أفضل الصلاة والسّلام قد أذن لنا أن لا نأخذ بظنه في أمور الدنيا وقال « أنتم أعلم بأمر دنياكم » كما في حديث عائشة وثابت بن أنس عند مسلم فما القول بظن غيره ؟ ومنه اجتهاد العلماء فيما ذكرنا آنفا قال الرازي : هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم الآن بالقياس لا يجوز لان عموم الآن منزل من عند اللّه تعالى واللّه تعالى أوجب متابعته فوجب العمل بعموم الآن ، ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس والالزم التناقض فان قالوا لما ورد الامر بالقياس في الآن وهو قوله ( فَاعْتَبِرُوا ) كان العمل بالقياس عملا بما أنزل اللّه . - قلنا هب أنه كذلك إلا انا نقول : الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس انما تدل على الحكم المثبت بالقياس لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس ، وأما عموم الآن فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله اللّه ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله اللّه بواسطة شيء آخر ، فكان الترجيح من جانبنا واللّه أعلم اه وقد نقلنا في بحث القياس أن الرازي قد رد في محصوله كون قوله تعالى ( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ) دليلا على القياس الأصولي وهو مصيب في ذلك . ثم أورد استدلالا آخر بالآية لنفاة القياس وأورد عليه مناقشة القياسيين فيه ، ونحن في غنى عن ذلك بتحقيق الحق في المسألة في تفسير آية المائدة التي أشرنا إليها آنفا ثم ذكر ان الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية تمسكوا بهذه الآية . قال وهو بعيد لان العلم بكون الآن حجة موقوف على صحة التمسك