الشيخ محمد رشيد رضا
307
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
منكم ، من وضع أحكام ، وحلال وحرام ، زاعمين أنه يجب عليكم تقليدهم لأنهم أعلم منكم ، أو للاقتداء بما كان عليه آباؤكم ، فإنما على العالم بدين اللّه تبليغه وبيانه للمتعلم لا بيان آرائه وظنونه فيه - ولا أولياء تتخذونهم لأجل انجائكم من الجزاء على ذنوبكم ، وجلب النفع لكم أو رفع الضر عنكم ، زاعمين أنهم بصلاحهم يبونكم اليه زلفى ، أو يشفعون لكم عنده في الآخرة أو الدنيا ، فان اللّه ربكم هو الولي أي الذي يتولى أمر العباد بالتشريع والتدبير ، والخلق والتقدير ، فله وحده الخلق والامر وبيده النفع والضر ( قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ) أي تذكرا قليلا تتذكرون ، أو زمنا قليلا تتذكرون ما يجب أن يعلم فلا يجهل ويحفظ فلا ينسى ، مما يجب للرب تعالى ، ويحظر أن يشرك معه غيره فيه ، أو قليلا ما تتعظون بما توعظون به فترجعون عن تقاليدكم وأهوائكم ، إلى ما أنزل إليكم من ربكم . أحمزة والكسائي وحفص عن عاصم « تَذَكَّرُونَ » بحذف إحدى التاءين وتخفيف الذال وتشديد الكاف ، على أن أصلها ( تتذكرون ) وأها ابن عامر « يتذكرون » بالياء على أن الخطاب للنبي ( ص ) على طريق الالتفات ، وأها الباقون بالتاء وتشديد الذال بادغام التاء الأخرى فيها . قد حققنا معنى الولاية لغة وأنواع استعمالها في الآن مرارا أبها ما في سورة الأنعام كقوله تعالى ( 6 : 128 وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ) « 1 » وبينا وجه الحصر في كون اللّه تعالى هو ولي المؤمنين في تفسير ( 6 : 14 قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) « 2 » وزدنا هذا بيانا في تفسير ( 6 : 51 وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) « 3 » وكذا تفسير ( 6 : 70 وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ) « 4 » كما بيناه في تفسير آيات أخرى مما قبل سورة الأنعام ومن أوسعها وأعمها بيانا تفسير قوله تعالى ( 2 : 257 اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ) الآية « 5 » وفيه تفصيل لولاية اللّه للمؤمنين وولاية المؤمنين بعضهم لبعض وولاية الطاغوت للكافرين
--> ( 1 ) راجع ص 100 - 105 من جزء التفسير الثامن ( 2 ) راجع 330 ج 7 ( 3 ) راجع ص 430 ج 7 أيضا ( 4 ) راجع ص 520 منه أيضا ( 5 ) راجع تفسيرها في ص 40 - 45 ج 3