الشيخ محمد رشيد رضا
305
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللّه والتأسي بمن سبق من رسله عليهم السّلام فهذان الوجهان الوجيهان ، من تفسير الآن بالآن ، ينافيان ما روي من تفسير الحرج بالشك ، ويغنيان عما تمحله المفسرون في توجيهه بالتأويل الشبيه بالمحك ، وما أكثر ما روي في التفسير بصحيح حتى بالغ الإمام أحمد فقال لا يصح فيه شيء ، وما كل ما صح منه مقبول ، إلا إذا صح رفعه إلى المعصوم ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وأما قوله تعالى في سورة يونس ( فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ) فهو على سبيل فرض المحال ، المألوف في أمثال هذه المواضع والمحال ، وشرط « إن » لا يقتضي الوقوع بحال من الأحوال . ومثله في هذه السورة قوله تعالى بعد نهيه ( ص ) عن دعاء غير اللّه ( فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ) وقوله في غيرها ( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) وفي ابن جرير وغيره انه ( ص ) قال في آية يونس « لا أشك ولا أسأل » وقوله تعالى ( لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) تعليل لانزال الكتاب والجملة قبله معترضة بين العلة والمعلول لإفادة ان الانذار به إنما يكون مطلقا أو على وجه الكمال مع انتفاء الحرج من الصدر ، وانشراحه للنهوض بأعباء هذا الامر ، وقيل تعليل للنهي عن الحرج على أن اللام مصدرية كقوله ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ) أي فلا يكن في صدرك حرج منه لأجل الانذار به لئلا يكذبك الناس والانذار التعليم المقترن بالتخويف من سوء عاقبة المخالفة ، وهو يتعدى إلى مفعولين : المنذر والعقاب الذي ينذره أي يخوف من وقوعه به ، ومنه قوله ( إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً ) وقوله ( وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ) * والمفعولان يذكران كلاهما تارة ويذكر أحدهما تارة بعد أخرى بحسب المناسبات ، وقد حذف كل منهما هنا لإفادة العموم حسب القاعدة - أي لتنذر به جميع الناس إذ تبلغهم دين اللّه وكل ما يتلى عليك في الكتاب من عقابه تعالى لمن يعصي رسله في الدنيا والآخرة - فهو ايجاز بليغ يدل على عموم بعثته ( ص ) كقوله في سورة الأنعام ( 6 : 93 وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ) وقد صرح بجعل الانذار عاما لامة البعثة كافة بقوله ( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ) وكثيرا ما يوجه إلى الكفار والظالمين لأنهم هم الذين يعاقبون حتما ، وقد يخص به المؤمنون المتقون بأنهم هم المنتفعون به قطعا ، كقوله تعالى ( 35 : 18 إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ ) وقوله ( 36 : 11 إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ) « تفسير الآن الحكيم » « 39 » « الجزء الثامن »