الشيخ محمد رشيد رضا

304

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الشجر المشتبك الملتف الذي لا يجد السالك فيه سبيلا واضحا ينفذ منه ، أو الذي لا يقبل الزيادة كما قال الراغب ، وقد فسر الحرج هنا بمعناه اللغوي وروي عن الضحاك ، وروي عن ابن عباس ومجاهد تفسيره بالشك كما في الدر المنثور وعزاه ابن كثير إلى مجاهد وقتادة . ووجهوه بأن الشك ضرب من ضروب حرج الصدر وضيق القلب . وتقدم تفسير مثله في الانعام ( الآية 124 ) وقال الراغب في هذه الجملة قيل هي نهي وقيل دعاء وقيل حكم منه نحو ( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) اه والنهي أو الدعاء عن أمر يتعلق بالمستقبل دليل على أنه مظنة الوقوع في نفسه ، وبحسب سنن اللّه ونظام الأسباب في خلقه ، والامر هنا كذلك ، إلا أن يحول دون وقوعه مانع كعناية اللّه وتأييده ، فان هذا الآن أمر عظيم بل هو أعظم شأن بين اللّه تعالى وبين عباده ، وقد كان في أول ما نزل منه قوله عز وجل ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) ثم نزل في تفسيره ( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) وكان ينزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه الوحي وهو يتفصد عرقا ، وكان يكاد يهيم بشدة وقعه وعظم تأثيره حتى كاد يلقي بنفسه من شاهق الجبل ، وأي قلب يحتمل وصدر يتسع لكلام اللّه العظيم ، ينزل به عليه الروح الأمين ، إذا لم يتول سبحانه بفضله شرحه ، واعانته على حمله ، وهو ما امتن به على رسوله بقوله ( أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ، وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) فهذا وجه مظنة وقوع الحرج بمعناه اللغوي الأصلي بالنسبة إلى الرسول نفسه ، وكونه تعالى صرفه عنه بشرحه لصدره . ويصح فيه أن يكون النهي تكوينيا وله وجه آخر باعتبار تبليغه إياه فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم كلف به هداية الثقلين ، واصلاح أهل الخافقين ، ومن المتوقع المعلوم بالبداهة أن المتصدي لذلك لا بد أن يلقى أشد الايذاء والمقاومة ، والطعن في كتاب اللّه ، والاعراض عن آيات اللّه ، وهي أسباب لضيق الصدر كما قال تعالى في آخر سورة الحجر ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ) وفي آخر سورة النحل بعدها ( وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ) ومثله في سورة النمل . وقال تعالى في أوائل سورة هود ( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ؟ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) والمراد من النهي عن أمر طبعي كهذا الاجتهاد في مقاومته والتسلي عنه بوعد