الشيخ محمد رشيد رضا

301

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا وانني بعد أن هديت إلى هذه الحكمة لبدء سور مخصوصة بهذه الأحرف

--> - التأثير في قلوب الناس لكسب اعجابهم كما يفعل المراءون ، ولكن بعض المسلمين اتبعوا في هذا سنن من قبلهم من أهل الكتاب وغيرهم الذين جعلوا عبادتهم أغاني ومعازف مطربة أو مشجية لاستمالة الناس إليهم وقد ورد في الحديث « أءوا الآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق فإنه سيجيء أقوام يرجعون بالآن ترجيع الغناء والرهبانية لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبه شأنهم » رواه الطبراني والبيهقي . قال السخاوي في كتابه جمال آلاء : قد ابتدع الناس في اءة الآن أصوات الغناء . ومما ابتدعوه شيء سموه الترعيد وهو أن يرعد صوته كأنه يرعد من برد أو ألم - وآخر سموه الترقيص وهو أن يروم الوقوف على الساكن ثم ينفر مع الحركة كأنه في عدو أو هرولة - وآخر يسمونه التطريب وهو أن يترنم بالآن ويتنغم به فيمد في غير موضع المد ويزيد على المد ما لا ينبغي - وآخر يسمى التحزين وهو أن يأتي على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع اه المراد منه وهذا الأخير إذا كان خشوعا وخضوعا خالصا للّه فهو حسن وكذا ان كان لتعويد النفس على ذلك كما في الحديث الآتي ولكن القبيح إذا كان تكلفا يقصد به الرياء والسمعة وقد قال اللّه تعالى في العلماء الذين يتلى عليهم الآن ( وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ) وكان النبي والصحابة وغيرهم من السلف يبكون لاءة الآن وسماعه وما زال المؤمنون الخاشعون كذلك . وفي حديث سعد بن مالك مرفوعا « ان هذا الآن نزل بحزن وكآبة فإذا أتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا » رواه البيهقي في الشعب والمراد بالتباكي تكلف البكاء على سبيل تربية النفس وتعويدها من باب « والحلم بالتحلم » لا تكلف المرائين ولا شك في أن كل مؤمن وكل محب للاطلاع على الحقائق والوقائع المؤثرة في أطوار البشر يعتقد أن اءة النبي ( ص ) للآن كانت أعظم المؤثرات في إيصال علمه وهدايته إلى القلوب المستعدة والعقول المفكرة . ولو حفظت تلاوته ( ص ) في آلة كالآلات الحافظة للأصوات المعيدة لها الموجودة اليوم لبذل المؤمنون به وغير المؤمنين الألوف من الدنانير في سماعها وقد صور ذلك أحد فلاسفة الفرنسيس فقال في الرد على من زعموا أن النبي ( ص ) لم يؤيد في دعوته بمثل ما أيد به موسى وعيسى ما معناه : كان محمد ( ص ) يأ الآن على الناس في حال تأثر وتأثير 1 فيكون لتلاوته ( 1 ) في اللغة الفرنسية كلمة مفردة بهذا المعني