الشيخ محمد رشيد رضا
295
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قد روي أنها نزلت قبلها - والظاهر أنها نزلت دفعة واحدة مثلها - فلم يبق وجه لتقديم الانعام الا أنها أجمع لما تشترك السورتان فيه وهو أصول العقائد وكليات الدين التي أجملنا جل أصولها في خاتمة تفسيرها ، وكون ما أطيل به في الأعراف كالشرح لما أوجز به فيها أو التفصيل بعد الاجمال ، ولا سيما عموم بعثة النبي ( ص ) وقصص الرسل قبله وأحوال أقوامهم ، وقد بينا بعض هذا التناسب بين السورتين مع ما قبلهما في فاتحة تفسير الأولى ( ص 228 ج 7 تفسير ) وسنزيده تفصيلا فيما نذكره في خاتمة الأعراف على نحو ما ذكرنا في خاتمة الانعام من الأصول الكلية فيها إن أحيانا اللّه تعالى . وأما سبب تأخر نزول الانعام فهو مبني على ما علم من التدريج في تلقين الدين ومراعاة استعداد المخاطبين فيه وهي أجمع للأصول الكلية ولرد شبهات المشركين ، والفرق ظاهر بين ما يراعى من الترتيب في دعوتهم وما يراعى في تلاوة المؤمنين للآن وذكر السيوطي في المناسبة بين السورتين ما نقله الآلوسي عنه وهو أن سورة الأنعام لما كانت لبيان الخلق وفيها ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ) وقال سبحانه في بيان الون ( كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ) وأشير إلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم وكان ما ذكر على وجه الاجمال - جيء بهذه السورة بعدها مشتملة على شرحه وتفصيله فبسط فيها قصة آدم وفصلت قصص المرسلين وأممهم وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل ، ويصلح هذا أن يكون تفصيلا لقوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ ) ولهذا صدر السورة بخلق آدم الذي جعله خليفة في الأرض وقال سبحانه في قصة عاد ( جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) وفي قصة ثمود ( جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ ) وأيضا فقد قال سبحانه فيما تقدم ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ) وهو كلام موجز وبسطه سبحانه هنا بقوله ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) وأما وجه ارتباط أول هذه السورة بآخر الأولى فهو أنه قد تقدم ( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ * وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ ) وافتتح هذه بالامر باتباع الكتاب . وأيضا لما تقدم ( ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ * ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) قال جل شأنه في مفتتح هذه السورة ( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ) الخ وذلك من شرح التنبئة المذكورة ، وأيضا لما قال سبحانه ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ) * الآية وذلك لا يظهر الا في الميزان افتتح هذه بذكر الوزن فقال عز من قائل ( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ )