الشيخ محمد رشيد رضا

290

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كان لطلب التوسع في العلوم ، وأما العلم الذي هو فرض عين فالسفر لطلبه إذا تعذر تحصيله بدونه يكون فرض عين . والسفر لطلب العلم الذي هو فرض كفاية ومنه الفنون والصناعات التي يتوقف عليها حفظ البلاد وشؤون المعاش والصحة . . . تأثم الأمة كلها إذا لم يقم به من تحصل بهم كفاية الأمة والبلاد . وقد يكون محرما أو مكروها إذا قصد به عمل محرم أو مكروه . كالذين يسافرون إلى بة ؟ ؟ ؟ لأجل الفسق وأجمع الآيات لتكميل النفس بالسفر من طريق الدراية المستفادة بالنظر والاكتشاف والاعتبار وطريق الرواية والتلقي عن أهل العلم والبصيرة والاختبار قوله تعالى في سورة الحج ( 22 : 44 أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ؟ فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) وقد نبهت آية آل عمران إلى أصل من أعظم أصول العلم التي تستفاد من السياحة واختبار أحوال الأمم وهو العلم بسنن اللّه في شؤون البشر العامة المعبر عنه في هذا العصر بعلم الاجتماع وهي ( 3 : 137 قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ) الآية . ونبهت آية العنكبوت إلى أصل آخر وهو البحث فيما يتعلق ببدء الخلق من الآثار ليكون من فوائده قياس النشأة الآخرة على النشأة الأولى وذلك قوله تعالى ( 29 : 19 قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ) الآية . ونبهت الآية الأولى من آيتي سورة الروم إلى النظر في أحوال الأمم وآثارها الخاصة بالقوة الحربية وموارد الثروة الزراعية وسائر شؤون العمران وكيف كان عاقبة ذلك وأسبابه ليعلم أن القوة والثروة لا تحول دون هلاك الأمة إذا استحقت ذلك بالظلم وكفر النعمة وهي ( 30 : 8 أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ « 1 » كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ) الخ وفي معناها آية فاطر ( 35 : 44 ) وهي خاصة بمسألة القوة ولكنها جاءت بعد بيان سنة اللّه في الأولين وان سنن اللّه لا تبديل لها ولا تحويل فهي ترشد بموقعها إلى البحث عن تلك السنن وفي معناها آيتا سورة غافر ( 40 : 21 و 82 ) فهما ترشدان إلى الاعتبار بقوة الأمم وآثارها في الأرض فتزيد على ما قبلها الارشاد إلى الاستفادة من صناعات الأولين وطرق كسبهم والاعتبار بكونها لم تكن واقية لهم مع قوتهم الحربية من عذاب اللّه إياهم بذنوبهم وكفرهم

--> ( 1 ) الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا