الشيخ محمد رشيد رضا

291

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد ذكرنا هذه الأمهات من أصول علوم الاجتماع والعمران على سبيل الاستطراد اختصارا وهو كاف لتذكير مسلمي هذا العصر بأن الآن قد أرشد البشر إلى جميع وسائل سعادة الأمم والافراد في أمري المعاش والمعاد . ( الأصل الخامس عشر ) جعل اللّه الظلم سببا لهلاك الأمم وإبادة الأقوام فقال ( 45 فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) وقال ( 47 هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ) وقال ( 83 الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) وقال ( 134 فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) والظلم أنواع قد بين في هذه السورة بعضها والحق أن المراد في مثل هذه الآيات الظلم العام ( راجع تفسير الشاهد الأخير ص 119 ) ( الأصل السادس عشر ) الترغيب في علوم الكائنات والارشاد إلى البحث فيها لمعرفة سنن اللّه وحكمه فيها وآياته الكثيرة فيها الدالة على علمه وحكمته ومشيئته وقدرته وفضله ورحمته ولأجل الاستفادة منها على أكمل الوجوه التي ترتقي بها الأمة في معاشها وسيادتها ، وتشكر فضل اللّه عليها ، وقد جعلنا هذا النوع من هداية السورة أصلا واحدا وهو أصول تتعلق بكثير من العلوم المتعلقة بالمواليد الثلاث وغيرها ، وانما غرضنا بذكر هذه الأصول التذكير والإشارة ويمكن القارئ أن يأخذ من هذا الأصل ارشاد الآن إلى جميع العلوم النباتية والحيوانية والانسانية من جسدية ونفسية والفلكية والحوية والحسابية ولو لم يرد في هذه السورة إلا الآيات الأربع المتصلة من قوله تعالى ( 195 إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى - إلى قوله - لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) لكفى فراجع تفسيرها في ( ص 629 - 645 ج 7 ) وفي معناها في النبات ( 141 وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ) الآيات . ومثلها في الحيوان خاصة آية 38 التي تذكر في الأصل الذي بعد هذا ( الأصل السابع عشر ) العناية بحفظ أنواع الحيوان ، والرفق بما سخره اللّه منها للانسان ، وبغيره . يؤخذ هذا من قوله تعالى ( 38 وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ) فقد استنبط النبي « ص » منها حظر قتل الكلاب فقال « لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها » الحديث رواه أبو داود والترمذي عن عبد اللّه بن مغفل بسند صحيح وقد استدلت إحدى الصحابيات بالآية على وجوب الرفق بالحيوان وتحريم