الشيخ محمد رشيد رضا

277

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بصائر للناس فمن أبصر به الحق واتبعه فلنفسه أبصر فهو الذي سيسعدبه ، ومن عمي فعليها الوزر إذ هو الذي يشقى به ، ثم قال ( وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) * أي بموكل باحصائها وحفظها لأجل الجزاء عليها ، ثم أخبر تعالى جده بأن هذا من تصريفه الآيات وتنويعه الدلائل وتبيينها لقوم يعلمون . ثم أمره باتباع ما يوحى اليه والاعراض عن المشركين - إلى أن قال ( وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً * وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) ( راجع تفسير الآيات في ص 657 - 663 ج 7 تفسير ) وكل هذه الآيات وأمثالها تفصيل للآية التي حصرت فيها وظيفة جميع المرسلين في التبليغ والتعليم المنقسم إلى التبشير والانذار وهو قوله تعالى ( 48 وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) وقد وردت هذه القاعدة في الحصر بصيغة الاثبات بعد النفي ، الذي هو الأصل فيما يخاطب به الجاهل أو خالي الذهن لأنها من أول ما نزل في بيان هذه العقيدة الهادمة لعقائد الكفار في الرسل وخواص أتباعهم التي منها أنهم وكلاء اللّه على الأرض بيدهم الهدى والحرمان منه والاسعاد والاشقاء والرحمة والغفران والعقاب وغير ذلك . ووردت آيات أخرى مثلها في عدة سور منها ما هو عام في جميع الرسل ومنها ما هو خاص بخاتمهم ، ووردت آيات أخرى في معناها ذكر الحصر فيها بصيغة « إنما » وهي متأخرة عن الأولى كلها أو بعضها ، وهي الصيغة التي يخاطب بها من كان على علم بالشيء لنكتة من النكت كما تقدم بيانه في تفسير ( 145 قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ ) الآية ( ص 147 ) وكما غلا الضالون في الرسل ومن دونهم من الصالحين بجعلهم وكلاء اللّه سبحانه وتعالى في الهداية والجزاء كالمغفرة والرحمة والعقاب ، غلوا فيهم بزعمهم أنهم يعلمون الغيب وأنهم يتصرفون في أمور الأرض ، فيوسعون على الناس الرزق ، ويقضون الحاجات بقوة غيبية إلهية فيهم مخالفة لسنن اللّه تعالى في الناس أو بحمل الخالق سبحانه وتعالى على ذلك بحيث لولاهم لم يفعله ، وأنهم في تفوقهم في ذلك وأمثاله على سائر الناس كالملائكة أو أعظم تأثيرا من الملائكة . وقد بين اللّه تعالى على لسان خاتم رسله فساد هذا الغلو وبطلان هذه العقائد وصرح بأن الرسل كسائر البشر في سنن اللّه تعالى فيهم إلا أنه ميزهم بالوحي وعصمهم من الخطأ في تبليغ ما أمرهم بتبليغه قولا وعملا ومما يحول دون التأسي بهم ، وحسبك من هذه السورة في ذلك قوله تعالى في إثر قوله ( 48 وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) ( 50 قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ