الشيخ محمد رشيد رضا
278
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِنِّي مَلَكٌ . إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى - إلي - قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ) فراجع تفسيرها في ( ص 421 - 430 ج 7 تفسير ) فقد بينا فيه بطلان ما سرى إلى المسلمين من أهل الوثنية والكتب المحرفة من الغلو في الأنبياء والصالحين كزعمهم أنهم يعلمون الغيب ، ويتصرفون في خزائن ملك اللّه بالعطاء والمنع ، والضر والنفع ، وإلحاقهم إياهم بالملائكة من عالم الغيب ، حتى صاروا يطلبون منهم مالا يطلب إلا من اللّه تعالى ، وذلك عين العبادة التي يسمى الذين توجه إليهم آلهة . شبهات الكفار على الوحي والرسالة هذا الغلو من بعض الناس في الأنبياء والرسل يقابله غلو آخرين منهم في إنكار رسالتهم واختصاص اللّه تعالى إياهم بوحيه إليهم ، فأولئك الغلاة أفرطوا في تصوير خصوصيتهم ، وزادوا فيها بأوهامهم وأهوائهم ، وهؤلاء فرطوا فيها ، فلم يروا لهم مزية يمتازون على غيرهم بها ، أولئك زادوا في بيان حقيقتهم فصلا فصلهم من نوع الانسان ، وهؤلاء جعلوا بشريتهم مانعة من امتيازهم على سائر أفراد الناس ، إذ رأوهم بشرا وظنوا أن الوحي يخرجهم منها فيجعلهم كالملائكة كما يزعم الغلاة - قال تعالى في هذه السورة ( 92 وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ) أي انهم ما عرفوا اللّه حق معرفته ولا عظموه حق تعظيمه بانكارهم قدرته على انزال شيء من العلم على قلوب بعض البشر لاقتضاء علمه وحكمته أن يكونوا معلمين لسائر البشر ما فيه هدايتهم كما أن الغلاة فيهم ما قدروا اللّه حق قدره إذ زعموا أنه جعلهم شركاء له في علم الغيب ، والتصرف في ملكه بالعطاء والمنع . وقد بينا في تفسير هذه الآية حقيقة الوحي ووجه حاجة البشر اليه واقتضاء حكمة اللّه وفضله الانعام عليهم به . فراجعه في ( ص 611 ج 7 تفسير ) وهذه الشبهة شبهة كونهم بشرا قد ذكرت في سور كثيرة عند الكلام على رسالة الرسل كالاعراف وإبراهيم والنحل والكهف والأنبياء والشعراء ويس والتغابن ، وذكرت في بعض السور بلفظ رجل بدل بشر كقوله تعالى في أول سورة يونس ( 11 : 1 الر - أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) الخ وهذا في نبينا ( ص ) ومثله عن أول من كذبوا الرسل وهم قوم نوح قال تعالى في قصته من سورة