الشيخ محمد رشيد رضا

276

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والبراهين ومخاطبة العقل . وكان أصحاب الأديان المحرفة والأديان المبتدعة قد بعدوا عن العقل والعلم . واعتمدوا في الدعوة وتلقين الدين على التسليم والتقليد الأعمى ووصف الآن في آية 155 بأنه مبارك أي جامع لأسباب الهداية الدائمة النامية ثم قال في آية ( 157 فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ ) وقال ( 161 قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً ) والصراط المستقيم أب الطرق الموصلة إلى السعادة التي شرع لها الدين من غير عائق ولا تأخير والقيم ما يقوم ويثبت به الامر المطلوب حتى لا يفوت صاحبه . وقال ( 115 وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا ) أي صدقا في الاخبار وعدلا في الأحكام . فهذه أمهات الآيات في بيان صفة ما جاء به الرسول وأنه أفضل وأكمل ما يحتاج اليه الخلق لتكميل أنفسهم وتزكيتها بالعلم والهدى وليس هو من قبيل الدعوى بغير دليل . بل هو من قبيل التنبيه وعطف النظر إلى الشيء البديع الصنع البالغ منتهى الحسن والجمال الذي يدرك جماله وكماله بمجرد النظر اليه . ولعمري ان من كان صحيح العقل مستقل الفكر لا يحتاج إلى دليل يثبت به كون هداية الآن حقا وصدقا وعدلا وصراطا مستقيما . وقد أثبتت الوقائع أن الذين آمنوا به بمجرد الدعوة لادراك حقية موضوعها وخيريته كانوا أكمل الناس عقلا ونظرا وفهما وفضلا كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار . على أنه أرشد إلى الاعتماد فيه على الآيات البينات ، والحجج الواضحات ، ومتى ثبتت بهذه الآيات حقية ما جاء به الرسول وحسنه ونفعه فمن الحماقة أن يترك الاهتداء به لأجل مشاركته لنا في البشرية ، أو استبعاد ما فضله اللّه به من الخصوصية . الرسول ووظائفه امر الرسول أن يخاطب الناس بقوله ( 56 قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) والبينة ما يتبين به الحق . والمراد بها هنا العلم الذي أوحاه اليه مبينا له به الحق مؤيدا بالدلائل والحجج العلمية والفطرية . وهذا في معنى قوله ( أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) فليس في دينه تحكم ولا اكراه إذ أمره أن يقول ( 66 لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ) أي ليس أمر هدايتكم والتصرف في شؤونكم موكولا إلي من اللّه بحيث أكون مسيطرا عليكم وملزما إياكم كشأن الوكيل على أعمال الناس . وبين في الآيات 103 - 106 أن ما جاء به ( ص )