الشيخ محمد رشيد رضا
260
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عمله لنفسه وأهدى ثوابه لغيره كما تقدم على أن هذا مما ورد على خلاف القياس فلا يقاس عليه وأما قوله ان القائل بأن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به الخ فجوابه ان الذي يثبت ما ذكر للسلف أجدر بقول ما لا علم له به وناهيك به إذا كان معترفا بأنه لم ينقل ذلك عن أحد منهم ، والنفي هو الأصل وحسب النافي نفيه للنقل عنهم في أمر تدل الآيات الصريحة على عدم شرعيته ويدل العقل وما علم بالضرورة من سيرتهم انه لو كان مشروعا لتواتر عنهم أو استفاض وأما قوله : وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل الخ فلم نكن ننتظره من أستاذنا ومرشدنا إلى اتباع النقل في أمور الدين دون النظريات والآراء . على أن هذه القاعدة النظرية غير مسلمة فان الثواب أمر مجهول بيد اللّه تعالى وحده كأمور الآخرة كلها ، فإنها من عالم الغيب التي لا مجال للعقل فيها ، وما وعد اللّه تعالى به المؤمنين الصالحين المخلصين له الدين من الثواب على الايمان والاعمال بشروطها لا يعرفون كنهه ولا مستحقه على سبيل القطع ولذلك أمروا بأن يكونوا بين الخوف والرجاء . ولا يوجد في الآيات ولا الأخبار الصحيحة ما يدل على أن العامل يملك ثواب عمله وهو في الدنيا كما يملك الذهب والفضة أو القمح والتمر فيتصرف فيه كما يتصرف فيها بالهبة والبيع ، بل ذلك جزاء بيد اللّه تعالى أعده للذين آمنوا وعملوا الصالحات بحسب تأثير الايمان والعمل في اعداد أنفسهم له بتزكيتها وجعلها أهلا لجواره ورضوانه كما قال ( 20 : 74 وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى 75 : جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى - 78 : 14 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) الخ ( 91 : 9 قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها 9 : 104 خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ) وقال ( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) فذكر الوصف على اطلاقه وتقدم تفسيره وذكر في آيات أخرى الصفات العامة التي هي مصدر جميع الاعمال وهي الصبر والشكر والصدق ومنها ما ذكر بصيغة الحصر - فهذه الآيات الكثيرة الصريحة المعنى المعقولة الحكمة وسائر آيات الجزاء ، والآيات النافية للعدل والفداء ، والآيات النافية لملك نفس لنفس شيئا من الأشياء في الآخرة ، تؤيد كلها آية الانعام التي نحن بصدد تفسيرها وآيات النجم وغيرها ، وتبطل دعوى ملك الانسان لثواب عباداته وتصرفه بها ، ولو كان الثواب كالمال يوهب لكان يباع ويشترى ، ولو كان كذلك لكان كثير من الفاء يبيعون ثواب كثير من أعمالهم للأغنياء ، وحاش للّه ولحكمة