الشيخ محمد رشيد رضا

261

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

دينه من ذلك ، وعمل الخلف وحده في أمر تعبدي كهذا لا حجة فيه ، على أنهم لم يجمعوا عليه فان قيل إن انتفاع الميت بعمل أولاده ينافي القاعدة التي ذكرتها في الجزاء أيضا فان من لم يزك نفسه في الدنيا بالايمان والأعمال الصالحة وما تطبعه في النفس من الصفات والاخلاق الحسنة لا يزكيها عمل أولاده من بعده - قلنا نعم ان هذا هو الأصل ولكن من بيده أمر الثواب والعقاب استثنى من عموم هذا الأصل لا بل ألحق به شيئا لا ينقضه ولا يذهب بحكمته وهو انتفاع بعض الوالدين المؤمنين ببعض عمل أولادهم أو جعله منه بالتبع والسببية كما أدخل في عمومه انتفاع من سن سنة خير من علم أو عمل بعمل من استن بسنته وعمل بعلمه أو اقتدى بعمله ، من غير أن ينقص من ثواب هؤلاء وأولئك شيء كما ثبت في حديث الصحيحين . وروى أصحاب السنن وغيرهم بأسانيد يحتج بها أنه ( ص ) قال « أطيب ما يأكل الرجل من كسبه ، وولده من كسبه » وفي رواية « ولد الرجل من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم » وقال ( ص ) لمن ذكر له ان والده يحتاج إلى ماله « أنت ومالك لأبيك » رواه ابن ماجة بسند صحيح وجملة القول أن ثواب الأعمال ليس أعيانا مملوكة للعامل يتصرف فيها كما يشاء بل هو جزاء من فضل اللّه تعالى وهو نوعان ( أحدهما ) ما يكون مرتبا على تأثير الاعمال في تزكية النفس مباشرة وهو ما بيناه آنفا ( وثانيهما ) ما يترتب على الاعمال التي يتعدى فيها نفع العامل إلى غيره كالسنة الحسنة والصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به والولد الصالح الذي يدعو له ، أو يقضي دين اللّه أو الناس أو يتصدق عنه ، وتقدمت الأحاديث الصحيحة في ذلك . وهذه تكون بقدر انتفاع الناس من هذه الاعمال لا بحسب تأثير العامل في السببية لها عند مباشرته للسبب ، كتأليف الكتاب وتربية الولد . وفوق ذلك كله مضاعفة اللّه لمن يشاء بفضله . خلاف العلماء في المسألة الخلاف بين العلماء في المسألة مشهور . وقد ذكره ابن القيم في أول المسألة ال 16 وهي : هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سعي الاحياء أم لا ؟ وذكر في الجواب أنها تنتفع من سعي الاحياء في أمرين مجمع عليهما من أهل السنة أحدهما ما تسبب اليه في حياته والثاني دعاء المسلمين له واستغفارهم له ( قال )