الشيخ محمد رشيد رضا

256

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تصحيح كل ما فشا من البدع بين أقوامهم والمنسوبين إلى مذاهبهم وليسوا من أهل الدليل ، ولكنهم لا يتركون ضلالة التأويل ، وأما أهل النظر في أدلة المذاهب منهم فلاهم لهم من النظر في الكتاب والسنة إلا أخذ ما يرونه مؤيدا لمذاهبهم وترك ما سواه بضرب من التأويل ، أو دعوى النسخ أو احتماله بغير دليل ولو كان هؤلاء المقلدون العميان هم الذين جوزوا وحدهم للناس إهداء عباداتهم للموتى . . . « 1 » ولكن تابعهم على ذلك بعض علماء السنة من أهل الأثر والنظر إذ ظنوا ان الأحاديث التي أشرنا إليها في الدعاء للموتى والاذن للأولاد بأن يقضوا ما على والديهم من صيام أو صدقة أو نسك - تدل على انتفاع الموتى بعبادات الاحياء مطلقا غافلين عن حصر ما ورد من ذلك في الصحيح في الأولاد الذين خص الشارع المؤمنين منهم بذلك في الوقائع التي سئل عنها ، وحديث « صام عنه وليه » يتعين أن يراد بالولي منه الولد ليوافقها مع سائر الآيات إذ لا يمكن تأويلها كلها وهي من الأصول الصريحة القطعية لأجل حمله على عموم الأولياء وهو غير متعين على أن عائشة الراوية له كانت تصرح بعدم جواز صيام أحد عن أحد عملا بالنصوص العامة كما تقدم ، وقد قال الطحاوي من علماء الأثر انه منسوخ . وما قلناه أولى لجمعه بين الروايات وموافقته للآيات ولعمل أهل المدينة الذي هو حجة مالك وهو هنا مؤيد لعمل الصحابة عموما وخصوصا لا حجة مستقلة . وقد سقط بهذا الجمع كل ما يتعلق باطلاق الجواز من الأقوال . وأما الدعاء لاموات المسلمين ولاحيائهم فهو عبادة لا ينتقل ثوابها من الداعي إلى المدعو له ولم يرو في اهداء ثواب الدعاء شيء . بل ثوابه للداعي وحده سواء استجابه اللّه أم لا ؟ وانما ينتفع المدعو له بالاستجابة ، واستجابة الدعاء للاحياء والأموات لا يمكن أن تكون بما ينقض قواعد الشرع ، ولا بما يبطل سنن اللّه تعالى في الكون ، فنفوض الامر في صفته إلى اللّه تعالى ونكتفي من العلم بفائدة الدعاء لاخواننا الذين سبقونا بالايمان وغيرهم انه عبادة مشتملة على تحاب المؤمنين وتكافلهم واهتمامهم بأمر سعادتهم في الدنيا والآخرة . وما عدا الدعاء من العبادات فإنما ورد الاذن فيه للأولاد ، وولد المرء من عمله فانتفاعه بعمله يدخل في القاعدة لا انه يعارضها ، ولو كان الاذن عاما لكثر عمل الصحابة به . وروي مستفيضا أو متواترا عنهم لتوفر الدواعي على نقله فان من دأب البشر وطباعهم

--> ( 1 ) حذفنا جواب لو لتذهب النفس فيما يقتضيه المقام كل مذهب