الشيخ محمد رشيد رضا
253
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
نصبر في البأساء والضراء ، ونشكر في السراء ، والشكر عبارة عن صرف النعم فيما وهبت لأجله ، وهو ما يرضى المنعم تعالى وتظهر به حكمته ، وتعم رحمته ، كانفاق فضل المال في وجوه البر التي تنفع الناس واعداد القوة بقدر الاستطاعة لتأييد الحق وإقامة العدل . ولكل نعمة بدنية أو عقلية أو علمية أو مالية أو حكمية شكر خاص ، ومن لم يهتد بهذه الهداية الربانية في الاستفادة من النعم والنقم فإنه يسيء التصرف في الحالتين فيظلم نفسه ويظلم الناس ، وان العقل الصحيح والفطرة السليمة مما يهدي إلى الصبر والشكر ، ولكن لا تكمل الهداية الا بتعليم الوحي ، لان الاسلام قد شرع لمساعدة العقل على حفظ مواهب اللّه تعالى في الفطرة ومنع الهوى من إفسادها ، وصدها عن الوصول إلى كمالها ، ولذلك سمي دين الفطرة ، فالمسلمون أجدر الناس بالصبر ، - والصبر عون على الجهاد والجلاد ، ومنجاة من جميع الشدائد والأهوال - وأحقهم بالشكر والشكر سبب للمزيد من النعم . فلو كانوا مهتدين به كما يجب لكانوا أعظم الناس ملكا وأعدلهم حكما . وأوسعهم علما ، وأشدهم قوة ، وأكثرهم ثروة ، وكذلك كان به سلفهم . وقد أخبرهم اللّه بأنه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . ولكن التقليد أضلهم عن تدبر الآن ، والاتكال على الميتين حال بينهم وبين سنن اللّه في هذا الانسان ( 20 : 121 فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى ( 122 ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * 72 : 16 وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 17 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً * ) ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ، ونعيمها أدوم وأعلى ، كما قال تعالى بعد بيان حال من يريد بعمله حظوظ الدنيا وحدها ، ومن يريد الآخرة ويسعى لها سعيها ( 16 : 20 كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ( 21 ) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) وإنما جعل الدنيا للمؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، لئلا تعظم الفتنة بجعل نعيمها كله أو معظمه للكفار وحدهم فيكون الناس كلهم لضعفهم كفارا قال تعالى ( 43 : 31 أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا . وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ - إلى