الشيخ محمد رشيد رضا

254

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قوله - وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ أي إنه تعالى سريع العقاب لمن كفر به أو بنعمه وخالف شرعه وتنكب سننه وسرعة العقاب تصدق في عقاب الدنيا والآخرة فان العقاب العام عبارة عما يترتب على ارتكاب الذنوب من سوء التأثير وهو في الدنيا ما حرمت لأجله من الضرر في النفس أو العقل أو العرض أو المال أو غير ذلك من الشؤون الاجتماعية فان الذنوب ما حرمت الا لضرها وهو واقع مطرد في الدنيا في ذنوب الأمم وأكثري في ذنوب الافراد ولكنه يطرد في الآخرة بتدنيسها النفس وتدسيتها كما وضحناه مرارا وقد يستبطيء الناس العقاب قبل وقوعه لان ما في الغيب مجهول لديهم فيستبعدونه وهو عند اللّه معلوم مشهود فليس ببعيد ( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً ) وانه تعالى على سرعة عقابه وشدة عذابه للمشركين والكافرين غفور للتوابين الأوابين رحيم بالمؤمنين والمحسنين . بل سبقت رحمته غضبه ووسعت كل شيء ولذلك جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها وقد يضاعفها بعد ذلك اضعافا كثيرة ، وجزاء السيئة سيئة مثلها وقد يغفرها لمن تاب منها ( وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) وقد أكد المغفرة والرحمة هنا بما لم يؤكد به العقاب وهو اللام فنسأله تعالى أن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا . ويتغمدنا برحمته الواسعة . ويجعل لنا نصيبا عظيما من رحمته الخاصة ، ويكون منه توفيقنا لاتمام تفسير كتابه على ما يحب ويرضى من هداية الأمة ، وكشف الغمة ، فنكون هادين مهديين ، وقد تم تفسير ربعه بفضله وتوفيقه والحمد للّه رب العالمين استدراك على تفسير ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) اعلم أيها المسلم الحريص على دينه أن أهل الحق من سلف الأمة انما سموا باهل السنة والجماعة لأنهم ساروا في الاهتداء بالاسلام على السنة وهي الطريقة العملية التي جرى عليها النبي ( ص ) في بيان الآن كما أمره اللّه تعالى بقوله ( 16 : 44 وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) وتلقاها عنه بالعمل جماعة الصحابة وقد أصاب الإمام أحمد بن حنبل ( رح ) في حصره حجية الاجماع الديني باجماع الصحابة ( رض ) وما روي من الآثار في شذوذ أفراد عما ثبت عمل الجمهور به فلا يعتد به فعمل الجمهور هو السنة وهم الجماعة . والأقوال