الشيخ محمد رشيد رضا
246
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مثلها ، وهي قاعدة من أصول دين اللّه تعالى الذي بعث به جميع رسله كما قال في سورة النجم ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) وهي من أعظم أركان الاصلاح للبشر في أفرادهم وجماعاتهم ، لأنها هادمة لأساس الوثنية ، وهادية للبشر إلى ما تتوقف عليه سعادتهم الدنيوية والأخروية ( وهو عملهم ) وقد بينا مرارا أن أساس الوثنية طلب رفع الضر وجلب النفع بقوة من وراء الغيب ، هي عبارة عن وساطة بعض المخلوقات العظيمة الممتازة ببعض الخواص والمزايا بين الناس وبين ربهم ليعطيهم ما يطلبون في الدنيا من ذلك بدون كسب ولا سعي اليه من طريق الأسباب التي جرت بها سنته تعالى في خلقه ، وليحملوا عنهم أوزارهم حتى لا يعاقبهم تعالى بها ، أو يحملوا البازي تعالى على رفعها عنهم وترك عقابهم عليها وعلى اعطائهم نعيم الآخرة وانقاذهم من عذابها ، أي على ابطال سنته وتبديلها في أمثالهم ، أو تحويلها عنهم إلى غيرهم ، وإن قال في كتابه ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * * وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) فمعنى الجملتين : ولا تكسب كل نفس عاملة مكلفة إثما إلا كان عليها جزاؤه دون غيرها ، ولا تحمل نفس فوق حملها حمل نفس أخرى ، بل كل نفس إنما تحمل وزرها وحده ( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) دون ما كسب أو اكتسب غيرها . والوزر في اللغة الحمل الثقيل ، ووزره يزره - حمله يحمله . قال ابن عباس في تفسير الجملتين بحاصل المعني : لا يحمل أحد ذنب غيره . فالدين قد علمنا أن نجري على ما أودعته الفطرة من أن سعادة الناس وشقاءهم في الدنيا باعمالهم ، وان عمل كل نفس يؤثر فيها التأثير الحسن الذي يزكيها ان كان صالحا ، أو التأثير السيء الذي يدسيها ويفسدها إن كان فاسدا ، وان الجزاء في الآخرة مبني على هذا التأثير فلا ينتفع أحد ولا يتضرر بعمل غيره من حيث هو عمل غيره ، وأما من كان قدوة صالحة في عمل أو معلما له فإنه ينتفع بعمل من أرشدهم بقوله وفعله زيادة على انتفاعه بأصل ذلك القول أو الفعل ، ومن كان قدوة سيئة في عمل أو دالا عليه ومغريا به فان عليه مثل اثم من أفسدهم كذلك ، وكل من هذا وذاك يعد من عمل الهادين والمضلين ، وقد بين النبي ( ص ) هذا بقوله « من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان