الشيخ محمد رشيد رضا

247

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء » رواه مسلم من حديث جرير بن عبد الملك البجلي والترمذي بلفظ « من سن سنة خير . . . ومن سن سنة شر . . . » وبهذا يعلم أنه لا تعارض بين الآية وما في معناها وبين قوله تعالى في المضلين من الناس ( لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) وقوله فيهم ( وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ) ولكن أشكل في هذا الباب حديث « إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه » رواه الشيخان وغيرهما من حديث عبد اللّه بن عمر مرفوعا من عدة طرق وهذا لفظ البخاري في أحد طرقه وليس في سائرها ذكر « ببعض » والمراد به النياحة كما صرح به في بعض الروايات عنه وعن أبيه وورد التصريح بعدم المؤاخذة بالبكاء المجرد ، وقد أوله بعضهم بأنه انما يعذب بما نيح عليه إذا أوصى أهله به وكان ممن يرضي به ، ويحتمل أن يكون المراد بتعذيب الميت بنواح الحي عليه أنه يشعر ببكائه فيؤلمه ذلك ، لا أن اللّه تعالى يعذبه به ويؤاخذه عليه واللّه أعلم وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال : توفيت أم عمرو بنت أبان بن عثمان فحضرت الجنازة فسمع ابن عمر بكاء فقال : ألا تنهى هؤلاء عن البكاء فان النبي ( ص ) قال « إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه » فأتيت عائشة فذكرت لها ذلك فقالت : واللّه انك لتخبرني عن غير كاذب ولا متهم ولكن السمع يخطئ ، وفي الآن ما يكفيكم ( وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) اه وكانت عائشة ترد كل ما يروى لها مخالفا للآن وتحمل رواية الصادق على خطأ السمع أو سوء الفهم - ولكن العلماء قصروا في اعلال الأحاديث بمثل هذا مع أن مخالفة الرواية الآحادية للقطعي كالآن من علامة وضع الحديث عندهم ومما ينتفع به المرء من عمل غيره من حيث يعد من قبيل عمله لأنه كان سببا له دعاء أولاده له أو حجهم وتصدقهم عنه وقضاؤهم لصومه كما ثبت في الصحاح وهو داخل في حديث « إذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة ، وقد ألحق اللّه ذرية المؤمنين بهم بنص الآن وصح في الحديث أن ولد الرجل من كسبه . ومن قال بانتفاع الميت من كل عمل يعمل له وان لم يكن العامل ولده فقد خالف الآن ولا حجة له في الحديث الصحيح ولا القياس الصحيح . أما الحديث فقد صح فيه الاذن