الشيخ محمد رشيد رضا
245
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ؟ * وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) وبذلك التجريد في التوحيد والبراءة من الشرك الجلي والخفي ، أمرني ربي ، ولا يعبد الرب إلا بما أمر ، دون أهواء الأنفس ونظريات العقول وتقاليد البشر ، وأنا أول المسلمين أي على الاطلاق في علو الدرجة والرتبة ، وأولهم في الزمن بالنسبة إلى هذه الأمة - وبيان هذا أنه ( ص ) أكمل المذعنين لامر ربه ونهيه ، بحسب ما أعطاه من الدرجات العلى التي فضله بها على جميع رسله ، كما أنه أول من لقنه ربه الاسلام ، في هذه الأمة الشاملة دعوتها لجميع الأنام ، والموصوفة بعد إجابة الدعوة بأنها خير أمة أخرجت للناس ، وقد يستلزم عموم بعثته وخيرية أمته أوليته ( ص ) وأولويته بالتقدم على الرسل الذين بعثوا قبله أيضا ، فيكون أولا في كل من مزاياه الخاصة ورسالته العامة المتعدية . وهذا التفسير للأول مما فتحه اللّه تعالى علي الآن وهو الفتاح العليم * * * ولما بين توحيد الألوهية ، انتقل إلى برهانه الاعلى وهو توحيد الربوبية ، بما أمره به تعالى في قوله قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ الاستفهام للانكار والتعجب والمعنى أغير اللّه خالق الخلق ، وسيدهم ومربيهم بالحق ، أطلب ربا آخر أشركه في عبادتي له بدعائه والتوجه اليه ، أو ذبح النسائك أو نذرها له ، لينفعني أو يمنع الضر عني أو ليبني اليه زلفى ويشفع لي عنده كما تفعلون بآلهتكم والحال انه تعالى هو رب كل شيء مما عبد ومما لم يعبد فهو الذي خلق الملائكة وخواص البشر كالمسيح والشمس والقمر والكواكب والأصنام المذكرة ببعض الصالحين وصانعيها ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ) ، فإذا كان تعالى هو الخالق المقدر ، وهو السيد المالك المدبر ، وهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، وفضل بعض المخلوقات على بعض ولكنها بالنسبة اليه على حد سوى ، فكيف أسفه نفسي وأكفر ربي ، بجعل المخلوق المربوب مثلي ربا لي ؟ وقد سبق تير هذه المسألة مرارا في تفسير هذه السورة وغيرها ومنه أن جميع المشركين كانوا يون بأن معبوداتهم مخلوقة وأن اللّه رب العالمين هو خالق الخلق أجمعين . الا ان النصارى يقولون بخلق ناسوت المسيح دون لاهوته إذ اللاهوت عندهم هو اللّه سبحانه وتعالى عن الحلول في الأجساد ، والتحول في صور العباد وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى هذه الجملة معطوفة على الجملة الحالية قبلها ، لأنها معللة للانكار ومرة للتوحيد