الشيخ محمد رشيد رضا
241
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 123 ) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) فحكمة كل من الاخبار والامر استمالة العرب ثم أهل الكتاب إلى الاسلام ببيان أن أساسه وقواعد عقائده ودعائم فضائله هي ما كان عليه إبراهيم المتفق على هداه وجلالته ، وكذا سائر رسل اللّه تعالى ، وإنما تختلف الاحكام العملية من العبادات والمعاملات المدنية والساسية كما تقدم بيانه في قوله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل من سورة المائدة ( 5 : 50 وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) وقد ذكرنا الآية بطولها لمناسبة آخرها لخاتمة هذه السورة التي هي أول ما نزل من السور الطول والمائدة آخر ما نزل منها . وإذ علمنا حكمة الاخبار والامر باتباع ملة إبراهيم فلا مجال بعد لتوهم أن إبراهيم أفضل ، ولا ان ملته أكمل ، إذ ليس هذا بمناف ولا بمعارض لنص آية اكمال الدين ، واتمام النعمة على العالمين ، على لسان خاتم النبيين ، المبعوث رحمة للخلق أجمعين . * * * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هذا بيان إجمالي لتوحيد الإلهية بالعمل ، بعد بيان أصل التوحيد المجرد بالايمان ، والمراد بالصلاة جنسها الشامل للمفروض والمستحب . والنسك في الأصل العبادة أو غايتها والناسك العابد ، ويكثر استعماله في الآن والحديث في عبادة الحج وعبادة الذبائح والابين فيه أو مطلقا . وفسر بالوجهين قوله تعالى في حكاية دعاء إبراهيم وإسماعيل ( وَأَرِنا مَناسِكَنا ) وأما قوله تعالى ( فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) فلا خلاف في أن المراد به عبادات الحج كلها كما أنه لا خلاف في تخصيص النسك ببعض الذبائح في قوله تعالى ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) فالنسك في هذه الفدية ذبح شاة . وقوله تعالى في سورة الحج ( 22 : 34 وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ) قد عين التعليل والسياق كون المراد بالنسك وهو مصدر ميمي أو اسم للمكان الذي تذبح فيه الابين أو تنحر تبا اليه تعالى وبعد هذه الآية آيات أخرى في ذلك خاصة . وأما قوله بعد آيات أخرى منها ( 67 لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ) فالسياق يدل على أنه أعم ما « تفسير الآن الحكيم » « 31 » « الجزء الثامن »