الشيخ محمد رشيد رضا
242
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ورد من هذا الحرف في الآن وانه بمعنى الدين أو الشريعة وهو ما قدمه بعضهم ولكن روي تفسيره في المأثور بالذبح وفسره بعضهم بالعيد . وحقق ابن جرير ان الأصل فيه الموضع الذي يتردد اليه الناس لخير أو شر ومن هنا أطلق على مشاعر الحج ومعاهده وعلى المواضع التي كانوا يذبحون فيها للأصنام كالنصب وأما المأثور في تفسير « نُسُكِي » هنا فعن سعيد بن جبير قال : ذبيحتي ، وعن قتادة : حجي ومذبحي ، وفي رواية أخرى : ضحيتي ، وعن مجاهد : ذبيحتي في الحج والعمرة . وعن مقاتل : يعني الحج . ولا ينافي تفسيره بالذبيحة الدينية مطلقا سواء كانت فدية أو أضحية في الحج أو غيره قوله ( ص ) عند التضحية « اني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض « 1 » حنيفا وما أنا من المشركين . إن صلاتي ونسكي - إلى قوله - أول المسلمين » الحديث ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جابر ومثله حديث عمران بن حصين عند الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي قال قال رسول اللّه ( ص ) لفاطمة « يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته وقولي : ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين » قلت يا رسول اللّه هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة ؟ قال « بل للمسلمين عامة » وعلى هذا التفسير للنسك يكون الجمع بين الصلاة وذبح النسك كالأمر بهما في قوله تعالى ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) وإذا فسر النسك بالعبادة مطلقا يكون عطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص لأنها منه ، وإلا كان سبب الاقتصار على ذكر هذين النوعين أو الثلاثة من العبادة هو كونها أعظم مظاهر العبادة التي فشا فيها الشرك ، فأما الصلاة فروحها الدعاء والتعظيم وتوجه القلب إلى المعبود والخوف منه والرجاء فيه وكل ذلك مما يقع فيه الشرك ممن يغلون في تعظيم الصالحين وما يذكر بهم كقبورهم أو صورهم وتماثيلهم ، وأما الحج والذبائح فالشرك فيهما أظهر وقلما يقع الشرك في الصيام لأنه أمر سلبي خفي ، ولكن بعض النصارى ابتدعوا صياما أضافوه إلى بعض مقدسيهم كصوم السيدة ولا أعلم أن أحدأ من المسلمين اتبعهم فيه ، ولا ينافي هذا صدق الحديث الصحيح الوارد في اتباعهم سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع فإنه في الكليات دون الجزئيات
--> ( 1 ) زيد هنا في رواية « على ملة إبراهيم »