الشيخ محمد رشيد رضا
234
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من أتى بالحسنة والمضاعفة فوقها تختلف بمشيئته تعالى بحسب ما يعلم من اختلاف أحوال المحسنين فقد بذل أبو بكر ( رض ) كل ما يملك في سبيل اللّه عند الحاجة اليه وبذل عمر ( رض ) نصف ما يملك ، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وزاد بعضهم أن النبي ( ص ) جعل النسبة بينهما كالنسبة بين عطاءيهما ، والدرهم من المسكين والفقير أعظم من دينار الغني ذي المال الكثير ، ومن يبذل الدرهم متعلقة به نفسه حزينة على فقده . ليس كمن يبذله طيبة به نفسه مسرورة بالتوفيق لايثار ثواب الآخرة به على متاع الدنيا ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ ، أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ) وتفصيل التفاوت فيما ذكرنا يطول وفيما أوردناه ما يرشد إلى غيره لمن تفكر وتدبر ، وقد غفل عن هذا من قال من المفسرين ان ذكر العشرة مثال يراد به الكثرة لا التحديد ليتفق مع المضاعفة المعينة في سورة البة ، وقد ورد في الأحاديث النبوية ما يؤيد ما اخترناه وسنذكر بعضها . وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها أي ومن جاء ربه يوم القيامة بالصفة السيئة التي يطبعها في نفسه الكفر وارتكاب الفواحش والمنكرات فلا يجزى الا عقوبة سيئة مثلها بحسب سنته تعالى في تأثير الأعمال السيئة في تدسية النفس وافسادها وتقديره الجزاء عليها بالعدل . وإنما قلنا الصفة الحسنة والسيئة ولم نقل الفعلة لان الافعال أعراض تزول وتبقى آثارها في النفس فالجزاء عليها يكون بحسب تأثيرها في النفس وهو الذي يكون وصفا لها لا يفارقها بالموت كما صرح به في قوله تعالى من هذه السورة ( 130 سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) فيراجع تفسيره السابق في هذا الجزء ( ص 129 ) وأما قوله تعالى وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ فيحتمل أنه في أهل السيئات لأنهم هم الذين يحتاج إلى نفي وقوع الظلم عليهم ولا سيما أهل الشرك والكفر منهم ، مع ما ورد من الشدة في وصف عذابهم ، والمعنى أن اللّه تعالى لا يظلمهم بالجزاء فإنه منزه عن الظلم عقلا ونقلا ، والآيات فيه كثيرة ، وروى مسلم من حديث أبي ذر ( رض ) عن النبي ( ص ) فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال « يا عبادي اني حرمت الظلم على نقسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا » الخ والذي صرحوا به أنها في الفريقين فان معنى الظلم في أصل اللغة النقص من الشيء كما قال تعالى ( 18 : 31 كِلْتَا