الشيخ محمد رشيد رضا

235

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً ) ثم توسع فيه فاطلق على كل تعد وإيذاء بغير حق . والمعنى انهم لا يظلمون في يوم الجزاء لا من اللّه عز وجل لما ذكر ولا من غيره إذ لا سلطان لاحد من خلقه ولا كسب في ذلك اليوم يمكنه من الظلم كما يفعل الأقوياء الأشرار في الدنيا بالضعفاء . وفي جواز تعلق القدرة الإلهية بالظلم وعدمه جدال بين الأشعرية والمعتزلة يتأول كل منهما الآيات لتصحيح مذهبه فيه وقد سبق بيان الحق فيه غير مرة ويراجع فيه وفي معنى مضاعفة الاعمال الحسنة تفسير قوله تعالى ( 4 : 39 إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) « 1 » فإنه يجلي معنى هذه الآية بما يعلم منه ما في خلاف الأشعرية مع المعتزلة من الضعف في مسألة جواز الظلم على الباري تعالى عقلا واستحالته بحيث لا يقال إن الباري سبحانه قادر عليه روى أحمد والبخاري ومسلم من حديث ابن عباس ( رض ) عن النبي ( ص ) فيما يرويه عن ربه عز وجل قال « ان اللّه تعالى كتب الحسنات والسيئات - ثم بين ذلك بقوله - فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها اللّه له عنده حسنة كاملة فان هو هم بها فعملها كتبها اللّه له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى اضعاف كثيرة . ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها اللّه عنده حسنة كاملة فان هو هم بها فعملها كتبها اللّه سيئة واحدة » هذا لفظ البخاري وقالوا إن معنى كتبها اللّه له أمر الملائكة بذلك وأخذوا هذا من حديث أبي هريرة في كتاب التوحيد من البخاري مرفوعا قال « يقول اللّه إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فان عملها فاكتبوها عليه بمثلها وان تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة ، وإن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فان عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف » وهذا يفسر كتابة ترك عمل السيئة حسنة بأن الكتابة ليست لامر سلبي محض بل لعمل نفسي وهو مخالفة النفس بكفها عن عمل السيئة من أجل ابتغاء رضوان اللّه واتقاء سخطه وعذابه . وروى أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن حبان عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : أخبر رسول اللّه ( ص ) اني أقول : واللّه لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت - فقلت قد قلته يا رسول اللّه . قال « فإنك لا تستطيع ذلك صم وافطر ونم وقم وصم من الشهر ثلاثة أيام فان الحسنة بعشر أمثالها وذلك كصيام الدهر » وروى

--> ( 1 ) يراجع ص 104 ج 5 تفسير