الشيخ محمد رشيد رضا
233
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والفضائل التي يأمر بها الاسلام وما يقابلها من أصول الرذائل والفواحش التي ينهى عنها ، فناسب بعد ذلك كله أن يبين الجزاء على كل منهما في الآخرة بعد الإشارة إلى فوائد الامر والنهي وما فيهما من المصالح الدنيوية بما ذيلت به آيات الوصايا ، وما سبق من ذكر الجزاء في أثناء السورة غير مغن عن هذه الآية لأنه ليس عاما كعمومها ولا مبينا للفرق بين الحسنات والسيئات كبيانها فقوله تعالى ( مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ) معناه أن كل من جاء ربه يوم القيامة متلبسا بالصفة الحسنة التي يطبعها في نفسه طابع الايمان والعمل الصالح فله عنده من الجزاء عشر حسنات أمثالها من العطايا ، فإذا كان تأثير الحسنة في نفسه أن تكون حاله حسنة بقدر معين بحسب سننه تعالى في ترتيب الجزاء على آثار الاعمال الحسنة في تزكية الأنفس فهو يعطيه ذلك مضاعفا عشرة أضعاف تغليبا لجانب الحق والخير على جانب الباطل والشر رحمة منه جل ثناؤه بعبيده المكلفين ( وقد أيعقوب « عشر » بالتنوين و « أمثالها » بالرفع على الوصف ) والظاهر أن هذه العشر لا تدخل فيما وعد اللّه تعالى به من المضاعفة لمن يشاء على بعض الاعمال كالنفقة في سبيله فقد وعد بالمضاعفة عليها باطلاق في قوله من سورة التغابن ( 64 : 17 إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) وبالمضاعفة الموصوفة بالكثرة في قوله من سورة البة ( 2 : 245 مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) الآية ثم بالمضاعفة سبعمائة ضعف في قوله منها أيضا ( 2 : 261 مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ . وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) قيل إن المراد بالمضاعفة لمن يشاء هذه المضاعفة نفسها وقيل بل المراد به غيرها أو ما يزيد عليها ، وقيل أيضا إن المضاعفة كلها خاصة بالانفاق . والأرجح أن المضاعفة عامة وأن الجملة على إطلاقها فتتناول ما زاد على سبعمائة ضعف وما نقص عنه ، وهي تشير إلى تفاوت المنفقين وغيرهم من المحسنين في الصفات النفسية كالاخلاص في النية ، والاحتساب والاريحية وفيما يتبعها من العمل كالاخفاء سترا على المعطى وتباعدا من الشهرة ، والابداء لأجل حسن القدوة ، وتحري المنافع والمصالح ، وفي الأحوال المالية والاجتماعية كالغنى والف والصحة والمرض ، وفيما يقابل ذلك من الصفات والاعمال كالرياء وحب الشهرة الباطلة والمن والأذى ، فالعشرة مبذولة لكل