الشيخ محمد رشيد رضا
21
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الضرورة عند وقوعها اتباعا لأهوائهم وتقدم تفصيل القول في الاعتداء العام والخاص في تفسير قوله تعالى من سورة المائدة ( 5 : 90 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وهذا الاخبار يتضمن الانذار والوعيد أي فهو يجازيهم على اعتدائهم وقد استنبط بعضهم من الآية تحريم القول في الدين بمجرد التقليد وعصبية المذاهب لان ذلك من اتباع الأهواء بغير علم إذ المقلد غير عالم بما قلد فيه وذلك بديهي في العقل ومتفق عليه في النقل . قال الرازي : دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد قول بمحض الهوى والشهوة والآية دلت على أن ذلك حرام * * * وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ الاثم في اللغة القبيح الضار وفي الشرع كل ما حرمه اللّه تعالى وهو لم يحرم على العباد إلا ما كان ضارا بالافراد في أنفسهم أو أموالهم أو عقولهم أو اعراضهم أو دينهم ، أو ضارا بالجماعات في مصالحهم السياسية أو الاجتماعية . والظاهر منه ما فعل علنا والباطن ما فعل سرا ، أو الظاهر ما ظهر قبحه أو ضرره للعامة وان فعل سرا والباطن ما يخفي ذلك فيه إلا عن بعض الخاصة وان فعل جهرا ، أو الظاهر ما تعلق باعمال الجوارح ، والباطن ما تعلق باعمال القلوب كالنيات والكبر والحسد والتفكير في تدبير المكابد الضارة والشرور ، ويجوز الجمع بين هذه الوجوه . ومما يقتضيه السياق مما يدخل في عموم باطن الاثم على بعض الوجوه ما أهل به لغير اللّه فهو مما يخفى على غير العلماء بحقيقة التوحيد ، ومنه الاعتداء في أكل المحرم الذي يباح للمضطر بأن يتجاوز فيه حد الضرورة وقيل الحاجة وذلك قوله تعالى ( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وهذه الجملة من جوامع الكلم والأصول الكلية في تحريم الآثام حتى قال ابن الأنباري : إن المراد بهذا التعبير ترك الاثم من جميع جهاته أي جميع أنواع الظهور والبطون فيه . وقد خص بعض المفسرين الظاهر بزنا السفاح الذي يكون في المواخير والباطن باتخاذ الاخدان والصديقات في السر ، وكانوا في الجاهلية يستبيحون زنا السر ، ويستقبحون السفاح بالجهر ، وخص بعضهم الظاهر بنكاح الأمهات والأخوات وأزواج الآباه والباطن بالزنا ، والتخصيص بغير مخصص باطل