الشيخ محمد رشيد رضا
22
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ تقدم معنى لفظ الاقتراف في تفسير الآية الثالثة من هذا الجزء ومعنى الجملة : إن الذين يكتسبون جنس الاثم سواء أكان ظاهرا أم باطنا سيلقون جزاء اثمهم بقدر ما كانوا يبالغون في افساد فطرتهم وتدمية أنفسهم بالاصرار عليه ومعاودته المرة بعد المرة كما يدل عليه فعل الكون وصيغة المضارع الدالة على الاستمرار ، وأما الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من يب ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ، فأولئك يتوب اللّه عليهم ويمحو تأثير الاثم من قلوبهم بالحسنات المضادة لها ( إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ) فتعود أنفسهم زكية طاهرة ، وتلقى ربها سليمة بارة ، * * * وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ أمر اللّه تعالى بالاكل مما ذكر اسمه عليه في مقام بيان ضلال المشركين واضلالهم بأكل ما ذكر اسم غيره عليه ثم صرح بالمفهوم المراد من ذلك الامر ، ولم يكتف بدلالة السياق على القصر ، لشدة العناية بهذا الامر الذي هو من اظهر اعمال الشرك ، أي ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح عند تزكيته والحال انه لفسق أهل به لغيره كما قال في آية المحرمات ( أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) فالآية لا تدل على تحريم كل ما لم يذكر اسم اللّه عليه من الذبائح فضلا عن غيرها من الأطعمة خلافا لمن قال بهذا وذاك ، لأنها خاصة بتلك الابين الدينية وأمثالها بينة السياق كما تقدم شرحه وبدليل تقييد النهي بالجملة الحالية كما حققه السعد التفتازاني ، ويؤيده قوله وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أي وان شياطين الانس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ليوحون إلى أوليائهم بالوسوسة والتلقين الخادع الخفي ما يجادلونكم به من الشبهات في هذه المسألة ، وان أطعتموهم فيها فجاريتموهم في هذه العبادة الوثنية الباطلة إنكم لمشركون مثلهم فان التعبد بالذبح لغير اللّه شرك كدعاء غير اللّه وسائر ما يتوجه به من العبادات لغيره وان كان لأجل التوسل بذلك الغير اليه ليب المتوسل اليه زلفى ويشفع له عنده كما بفعل أهل الوثنية . ومن المعلوم أن أولياء الشياطين لم يجادلوا أحدا من المؤمنين فيما