الشيخ محمد رشيد رضا
225
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والعدل فتولاهما جده الاعلى لأنهما قاما بما كان هو يقوم به وكان هو قاضيهما ومستشارهما - فهو ( أي زيد ) يتولاهما كما تولاهما جده وهشام ليس كذلك . فالامام زيد وأتباعه من المصلحين ، الذين يلقبون في عرف هذا العصر بالفدائيين الذين يقاومون الظلم بالثورات على الجائرين الظالمين ، إلى أن يثلوا عروشهم ، ويريحوا الأمم من جورهم ، وجمهور أهل السنة يرجعون في هذه المسألة إلى قاعدة تعارض درء المفاسد وجلب المصالح ، وقاعدة ارتكاب أخف الضررين في مقاومة الظلم وأهله لئلا يفضي إلى فتنة التفرق والشقاق ، ولكنهم أيدوا الظالمين وأطاعوهم بشبهة هذه القواعد حتى ضاع الاسلام وشرعه ، وتضعضع كل ملك لأهله ، لأنهم لم يحكموا تحكيمها وتطبيقها وقد رفض غلاة الشيعة الامام زيدا إذ أبى قبول ما اشترطوه عليه لاتباعه وهو البراءة من أبي بكر وعمر فلذلك سموا الرافضة ، ولماذا اشترطوا البراءة من أبي بكر وعمر دون عثمان بل دون معاوية ويزيد ؟ ان أكثر الشيعة الصادقين من المتقدمين والمتأخرين لم يكونوا يعرفون هذا ولو فكروا فيه لعرفوه وعرفوا بمعرفته كيف جرفهم تيار دسائس المجوس أصحاب الجمعيات السرية العاملة للانتقام للمجوسية من الاسلام الذي أطفأ نارها وثل عرش ملكها على يد أبي بكر وعمر اللذين كانا يفضلان آل بيت رسول اللّه ( ص ) على آلهما فتلك الجمعيات المجوسية بثت دسائسها في الشيعة لأجل التفريق بين المسلمين وإزالة ذلك الاتحاد الذي بني على أساسه مجد الاسلام من حيث لا يشعرون لم توجد في الدنيا جمعيات أدق نظاما وأنفذ سهاما من جمعيات الباطنية التي أسسها عبد اللّه بن سبأ اليهودي ومجوس فارس لافساد الدين الاسلامي وإزالة ملك دعاته العرب ، فقد راجت دسائسها في شيعة آل بيت الرسول من المسلمين الذين كانوا يرون انهم أحق بملك الاسلام ، بل راج بعضها في سائر المسلمين أيضا ولكن الاسلام كان أقوى في نفسه فبينما كانت تلك الدسائس تعمل عملها في الحجاز والمغرب وغيرهما من بلاد العرب والبربر كان الاسلام ينتشر في أمة الفرس النبيلة وكتب السنة والتفسير وفنون العربية تدون في مدتها بأقلام أبناء فارس ومن استوطن بلادهم من العرب وتنشر في مشارق الأرض ومغاربها تؤيد هذا الدين القويم ولغته وقد صار لأولئك الباطنية دولة عربية في مصر ولم يكن لهم دولة في بلاد الفرس ولم تستطع دولتهم في مصر أن تقضي على الاسلام ولا أن تعيد « تفسير الآن الحكيم » « 29 » « الجزء الثامن »