الشيخ محمد رشيد رضا

226

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المجوسية وتجعل لها ملكا لأنها لما كان لها ظاهر هو الاسلام على مذهب الشيعة الذي كان مذهبا سياسيا فصار مذهبا دينيا ولها باطن سري لا يعرفه إلا رؤساء الدعاة - ولما كان المنتحلون لها من العرب والبربر جاهلين بأصلها وبما وضعت له - غلبت الصبغة الدينية فيها على الصبغة السياسية وكان عاقبة دعوتها أن مرق بعض الشيعة من الاسلام في الباطن واتخذوا التعاليم الباطنية دينا يدينون به فيقولون بألوهية بعض آل البيت ويعبدونهم بضروب من العبادات ويتأولون آيات الآن تأولا يحتجون به على تلك التعاليم وهم لا يدرون أن الغرض الأول من القول بعصمة بعض آل البيت ثم القول بألوهية بعضهم هو ابطال دين جدهم وإزالة ملكه من آله وسائر قومه - ومن الغريب ان الباطنية تجدد لها دين جديد في هذا العصر مبني على القول بألوهية رجل من غير آل البيت وهو البهاء الإيراني والد « عباس عبد البهاء » - وبقي سائر الشيعة مسلمين يؤمنون باللّه وبان محمدا خاتم رسل اللّه ويصلون ويصومون ويؤدون زكاة أموالهم ويحجون البيت من استطاع منهم اليه سبيلا ومنهم من لا يزال يغلو في آل البيت غلوا يختلف حكم الشرع فيه ويطعن في أبي بكر وعمر وجمهور الصحابة ظنا منه أنه ينتصر بذلك لآل البيت غافلا عن كون أئمة آل البيت علي وأولاده كانوا أولياء وأنصارا لأبي بكر وعمر فان صح ان هذا كان تقية منهم لأجل مصلحة الاسلام فلماذا لا يكفون هم عن الشقاق والتفريق بين المسلمين بالطعن فيهما لأجل مصلحة الاسلام ؟ أضعفوا الاسلام بهذا التفرق الذي نهى عنه الآن وجعل الرسول ( ص ) بريئا من أهله وكل شيعة وفرقة تظن أنها بهذا التفرق والخلاف تنصر الاسلام وتؤيده فكانت عاقبة أمر المسلمين أن ضعف ملكهم على اختلاف مذاهبهم وكادت الإفرنج تستعبد الدول والامارات الاسلامية كلها ومنها ما يعد سنيا وما يسمى شيعيا إماميا وما يدعى شيعيا زيديا . ونحمد اللّه أن عرف جمهورهم بهذا الخطر حقية ما بيناه مرارا وهو ان ذلك التفرق كان من فساد السياسة وستجمعهم السياسة كما فرقتهم السياسة إلا من ارتدوا بالعصبية القومية الجاهلية . ضعف المذاهب والدين ودسائس الأجانب في المسلمين ضعفت في هذا العصر عصبية المذاهب نفسها ولا سيما في الفروع من حيث إنها لم تعد من وسائل سعة الرزق ولا عرض الجاه بالمناصب والجلوس على منصات الحكم - وإنما كانت العصبية لذلك - وبضعف الدين نفسه فان الجهل بحقيقته صار