الشيخ محمد رشيد رضا
214
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأمة الواحدة بعد اخوة الايمان أمما متعادية ليس لها مرجع متفق عليه يجمع كلمتها فيحل بها ما حل بالأمم التي تفرقت قبلها ، فقال عز وجل إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ أالجمهور فرقوا دينهم من التفريق وهو الفصل بين أجزاء الشيء الواحد وجعله فرقا وأبعاضا . وأحمزة والكسائي ( فارقوا ) من المفارقة للشيء وهي تركه والانفصال منه ، وهذه الاءة رويت عن علي وابن مسعود رضي اللّه عنهما وهي تفيد ان تفريق الدين قد يستلزم مفارقته لأنه واحد لا يتجزأ . فمن التفريق الايمان ببعض الكتاب دون بعض ولو بالتأويل وترك العمل . والكفر بالبعض كالكفر بالجميع مفارقة للدين الذي لا يتجزأ ( أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) الآية . ومثله الايمان ببعض الرسل دون بعض ، على أن المفارقة قد تكون للجماعة التي تقيم الدين لا لأصل الدين بجحوده والكفر به أو تأويله وترك هدايته . وسيأتي تفصيل القول في ذلك ذهب بعض مفسري السلف إلى أن الآية نزلت في أهل الكتاب إذ فرقوا دين إبراهيم وموسى وعيسى فجعلوه أديانا مختلفة وكل منها مذاهب تتعصب لها شيع مختلفة يتعادون ويتقاتلون فيه . وذهب آخرون إلى أنها في أهل البدع والفرق الاسلامية التي مزقت وحدة الاسلام بما استحدثت من النحل والمذاهب . وكل من القولين حق . والصواب هو الجمع بينهما فان اللّه تعالى بعد أن أقام حجج الاسلام في هذه السورة وأبطل شبهات الشرك ذكر أهل الكتاب وشرعهم . وأمر المستجيبين لدعوة الاسلام بالوحدة وعدم التفرق كما تفرق من قبلهم . وقد فصل هذا بقوله بعد الامر بالاعتصام والنهي عن التفرق من سورة آل عمران ( 4 : 105 وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) « * » ثم بين ان رسوله بريء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كما فعل أهل الكتاب فهو يحذر ما صنعوا فمن اتبع سننهم في هذا التفريق فهو أحق ببراءة الرسول ( ص ) منه بعد هذا البيان والتحذير أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : اختلفت اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد « ص » فلما بعث محمد أنزل اللّه عليه ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ) الآية : وأخرج أكثر رواة التفسير المأثور عن أبي هريرة في قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا
--> ( * ) يراجع تفسير الآيات في ص 20 ج 4 تفسير