الشيخ محمد رشيد رضا

208

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من احدى الأمم المجاورة لهم من أهل الكتاب فلما جاءهم النذير استكبروا وزادوا نفورا عن الايمان ، ون هذا الاعذار بالانذار الشديد والوعيد بسوء العذاب في الآية التي قبل هذه الآية وفي هذه أيضا فإنه حصر فيها ما أمامهم وامام غيرهم من الأمم بما يعرفهم بحقيقة ما ينتظرون في مستقبل أمرهم وأنه غير ما يتمنون من موت الرسول وانطفاء نور الاسلام بموته صلوات اللّه وسلامه عليه فقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ أي انهم لا ينتظرون الا أحد هذه الثلاثة بمعنى أنه ليس أمامهم غاية ينتهون إليها في نفس الامر أو بحسب سنن اللّه في الخلق إلا أن تأتيهم - وأحمزة والكسائي يأتيهم - الملائكة أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم فرادى أو ملائكة العذاب لاستئصالهم ( وهذا الأخير خاص بالأمم التي يعاند الرسل سوادها الأعظم بعد أن يأتوها بالآيات المقترحة ) أو يأتي ربك أيها الرسول . قيل إن اتيان الرب تعالى عبارة عن اتيان ما وعد به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من النصر وأوعد به أعداءه من عذابه إياهم في الدنيا كما قال في الذين ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من اللّه ( فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ) الآية ، وقيل اتيان أمره بالعذاب أو الجزاء مطلقا . فههنا مقدر دل عليه قوله في سورة النحل التي تشابه هذه السورة في أكثر مسائلها ( 16 : 33 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ؟ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) وقيل بل المراد اتيانه سبحانه وتعالى بذاته في الآخرة بغير كيف ولا شبه ولا نظير ، وتعرفه إلى عباده ومعرفة أهل الايمان الصحيح إياه . وروي عن ابن مسعود « هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة » قال عند الموت « أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ » قال يوم القيامة . وعن قتادة مثله ، وعن مقاتل في قوله « أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ » قال يوم القيامة في ظلل من الغمام وقد بينا هذا الوجه في تفسير قوله تعالى ( 2 : 209 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) ونقلنا فيه عن الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى قولا نفيسا فليراجع ( ص 260 - 267 ج 2 تفسير ) ولكن يضعف هذا الوجه هنا ذكره ثانيا ، ولو كان هو المراد لجعل الأخير لأنه آخر ما ينتظر أو الأول لعظم شأنه