الشيخ محمد رشيد رضا
209
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وجوز بعض المفسرين أن يكون هذا الانتظار بحسب ما في أذهانهم لا بحسب الواقع فإنهم اقترحوا انزال الملائكة عليهم ورؤية ربهم . وعلى هذا يكون اتيان بعض آيات الرب ما اقترحوه غير هذين كنزول كتاب من السماء يؤنة وكتفجير ينبوع من الأرض بمكة ويكون الاستفهام للتهكم لان اقتراحهم كان للتعجيز . وأما على القول الذي جرينا عليه تبعا للجمهور من أن هذه الثلاث هي ما ينتظرونه كغيرهم في نفس الامر فلا يصح أن يراد بهذا البعض شيء مما اقترحوه لان إيتاء الآيات المقترحة على الرسل يقتضي في سنة اللّه هلاك الأمة بعذاب الاستئصال إذا لم تؤمن به كما قال تعالى ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا ، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ ) واللّه لا يهلك أمة نبي الرحمة . بل يصدق هذا بكل آية تدل على صدق الرسول أو بما يحصل لرائيها اليأس من الحياة أو الايمان القهري الذي لا كسب له فيه ولا اختيار . ولذلك قال في بيان ذلك البعض بما يترتب عليه يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً أي يوم يأتي بعض آيات ربك الموجبة للايمان الاضطراري لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل اتيانها ايمانها بعده في ذلك اليوم ، ولا نفسا لم تكن كسبت في ايمانها خيرا وعملا صالحا ما عساها تكسب من خير فيه ، لبطلان التكليف الذي يترتب عليه ثواب الايمان والعمل الصالح ، فإنه أي التكليف مبني على ما وهب اللّه المكلف من الإرادة والاختيار بالتمكن من الايمان والكفر وعمل الخير والشر وإنما الثواب والعقاب مبني على هذا التكليف . والبعض من هذه الآيات قد يطلع عليه الافراد عند الغرغرة قبيل خروج الروح وهي القيامة الصغرى ، ولا تراها الأمم كلها الا قبيل قيام القيامة الكبرى ، فان لها آيات كآيات الموت بعضها ظني وبعضها قطعي ، يترتب عليه حصول الايمان القهري ، وفي الآية من الايجاز البليغ ما ترى فان الفصل بين كلمة « نَفْساً » الدالة على الشمول لكونها نكرة في سياق النفي وبين صفتها التي هي جملة « لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ » الخ بالفاعل وهو « إِيمانُها » وعطف جملة « أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً » عليها قد أغنى عن التصريح بما بسطنا به المعنى آنفا وقد روي في أحاديث منها الصحيح السند والضعيف الذي لا يحتج به وحده بان هذه الآية التي أبهمت وأضيفت إلى الرب تعالى لتعظيم شأنها وتهويله هي طلوع الشمس من مغربها قبيل تلك القارعة الصاخة التي ترج « تفسير الآن الحكيم » « 27 » « الجزء الثامن »