الشيخ محمد رشيد رضا

189

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

جون أعارته الجنوب جانبا * منها وواصت صوبه يد الصبا أي وصاكم اللّه بذلك لما فيه من اعدادكم وباعث الرجاء في أنفسكم لان تعقلوا ما فيه الخير والمنفعة في ترك ما نهى عنه وفعل ما أمر به فان ذلك مما تدركه العقول الصحيحة بأدنى تأمل . وفيه دليل على الحسن الذاتي وادراك العقول له بنظرها ، وإذا هي عقلت ذلك كان عاقلا لها ومانعا من المخالفة . وفيه تعريض بان ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها مما لا تعقل له فائدة ، ولا تظهر للانظار الصحيحة فيه مصلحة * * * ( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أي والسادس مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم فيما حرم وأوجب عليكم أن لا تبوا مال اليتيم إذا وليتم أمره أو تعاملتم به ولو بوساطة وصيه أو وليه إلا بالفعلة أو الافعال التي هي أحسن ما يفعل بماله من حفظه وتثميره وتنميته ورجحان مصلحته والانفاق منه على تربيته وتعليمه ما يصلح به معاشه ومعاده . والنهي عن ب الشيء أبلغ من النهي عنه لأنه يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل التي تؤدى اليه وتوقع فيه وعن الشبهات التي تحتمل التأويل فيه فيحذرها التقي إذ يعدها هضما لحق اليتيم ويقتحمها الطامع إذ يراها بالتأويل مما يحل له لعدم ضررها باليتيم أو لرجحان نفعها له على ضررها ، كأن يأكل من ماله شيئا بوسيلة له فيه ربح من جهة أخرى في عمل لولاه لم يربح ولم يخسر . وقد تقدم في تفسير الآيات المفصلة في اليتامى من أول سورة النساء وتفسير ( 2 : 220 وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ) من البة ما يغني عن التطويل هنا في تحرير مسألة مال اليتيم ومخالطته في المعيشة والمعاملة . ( راجع 346 ج 2 تفسير ) وقوله تعالى ( حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) هو غاية للنهي عن هذا الب لماله وما فيه من المبالغة في الترهيب عن التعامل فيه - أو غاية لما يتضمنه الاستثناء وهو ما يقابل النهي من ايجاب حفظ ماله حتى منه هو فان الولي أو الوصي لا يجوز له أن يسمح اليتيم بتبديد شيء من ماله واضاعته أو الاسراف فيه . وبلوغ الأشد عبارة عن بلوغه سن الرشد والقوة الذي يخرج به عن كونه يتيما أو سفيها أو ضعيفا ، وقد اختلف أهل اللغة هل هو مفرد أو جمع لا واحد له أو له واحد قال في اللسان والأشد مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة - وهو موافق لتفسيرنا أو حجة له ، ونقل عن ابن سيده : بلغ الرجل أشده إذا اكتهل ، ونقل عن علماء اللغة والشرع أقوالا