الشيخ محمد رشيد رضا

190

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في لفظه ومعناه بلغت ثلثي ورقة منه وملخص المعنى ان له طرفين أدناهما الاحتلام الذي هو مبدأ سن القوة والرشد ونهايته سن الأربعين وهي الكهولة إذا اجتمعت . للمرء حنكته وتمام عقله - قال - فبلوغ الأشد محصور الأول محصور النهاية غير محصور ما بين ذلك . وقال الشعبي ومالك وآخرون من علماء السلف يعني حتى يحتلم ، والاحتلام يكون غالبا بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة : وقال السدي الأشد سن الثلاثين وقيل سن الأربعين وقيل الستين . والأخير باطل وما قبله مأخوذ من قوله تعالى ( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) ولكن قال المفسرون هذا لا يظهر هنا . وأقول إن المراد بالنهي عن ب مال اليتيم النهي عن كل تعد عليه وهضم له من الأوصياء وغيرهم من الناس خلافا لمن جعل الخطاب فيه للأولياء والأوصياء خاصة ، وحينئذ يظهر جعل حتى غاية للنهي وجعل الأشد بمعناه اللغوي وهو سن القوة البدنية والعقلية بالتجارب ، والحديث العهد بالاحتلام يكون ضعيف الرأي قليل التجارب فيخدع كثيرا . وقد كان الناس في الجاهلية كأهل هذا العصر من أصحاب الافكار المادية لا يحترمون الا القوة ولا يعرفون الحق إلا للأقوياء فلذلك بالغ الشرع في الوصية بالضعيفين المرأة واليتيم . وإنما كانت القوة التي يحفظ بها المرء ماله في ذلك الزمن قوة البدن مع الرشد العقلي وهو قلما يحصل بمجرد البلوغ ، وأما هذا الزمان فلا يقدر على حفظ ماله فيه إلا من كان رشيدا في أخلاقه وعقله وتجاربه لكثرة الغش والحيل ، وإن سفه الشبان الوارثين في مصر مضرب المثل ، فأكثر الشبان من أبناء الأغنياء مسرفون في الشهوات فمتى مات من يرثونه أقبل على معاشرتهم أخدان الفسق وسماسرته ومنهومو القمار فلا يتركونهم إلا فاء منبوذين ، وقلما يستيقظ أحدهم من غفلته إلا في سن الكهولة التي يكمل فيها العقل وتعرف تكاليف الحياة الكثيرة ويهتم فيها بأمر النسل ، وقد اشترط الشرع لايتاء اليتامى أموالهم سن الحلم والرشد معا وظهور رشدهم في المعاملات المالية بالاختبار بقوله تعالى ( وَابْتَلُوا الْيَتامى - إلى قوله - فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ) وهذا خطاب للأولياء والأوصياء . ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ) أي والسابع مما أتلوه عليكم من وصايا ربكم أن أوفوا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم والميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون أو لغيركم فيما تبيعون ، فليكن كل ذلك وافيا تاما