الشيخ محمد رشيد رضا

184

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فلم يحتج إلى ينة ولم ينظر فيه إلى علاقة كهذه الكلمة ولا سيما في غير هذا الموضع ولهي فيه خطاب ممن هو في أعلى مكان من العلم والهدى لمن هم في أسفل درك من الجهل والضلال ، عبدة الأصنام ، ومتبعي الظنون والأوهام ، ولغيرهم ممن لا يسمو إلى ذلك المقام ، وان كان دونهم في الجهل والآثام وقوله أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً شروع في بيان ما حرم الرب وما أوصى به من البر ، وقد أورد بعضه بصيغة النهي عن الشيء وبعضه بصيغة الامر بضده حسب ما تقتضيه البلاغة كما سيأتي . وأن تفسيرية وندع النحاة في اضطرابهم وخلافهم في تطبيق ما في حيزها من النهي والامر على قواعدهم ، فنحن لا يعنينا إلا فهم المعاني من الكلام بغير تكلف ، وما وافق الآن من قواعدهم كان صحيحا مطردا وما لم يوافقه فهو غير صحيح أو غير مطرد ، وسنريك فيه من البيان ، ما يغنيك عن تحقيق السعد وحل اشكالات أبي حيان بدأ تعالى هذه الوصايا بأكبر المحرمات وأفظعها وأشدها افسادا للعقل والفطرة وهو الشرك باللّه تعالى سواء كان باتخاذ الأنداد له أو الشفعاء المؤثرين في ارادته المصرفين لها في الاعمال وما يذكر بهم من صور وتماثيل وأصنام أو قبور - أو كان باتخاذ الأرباب الذين يشرعون الاحكام ، ويتحكمون في الحلال والحرام - وكذا من يسند إليهم التصرف الخفي فيما وراء الأسباب - وكل ذلك واضح من الآيات السابقة وتفسيرها . وتقدير الكلام أول ما أتلوه عليكم في بيان هذه المحرمات وما يقابلها من الواجبات - أو - أول ما وصاكم به تعالى من ذلك كما يدل عليه لاحق الكلام هو أن لا تشركوا باللّه شيئا من الأشياء وان كانت عظيمة في الخلق كالشمس والقمر والكواكب ، أو عظيمة في القدر كالملائكة والأنبياء والصالحين ، فإنما عظم الأشياء العاقلة وغير العاقلة بنسبة بعضها إلى بعض وذلك لا يخرجها عن كونها من خلق اللّه ومسخرة بقدرته وارادته وعن كون العاقل منها من عبيده ( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ) - أو أن لا تشركوا به شيئا من الشرك صغيره أو كبيره - ومقابله أن تعبدوه وحده بما شرعه لكم على لسان رسوله لا بأهوائكم ، ولا بأهواء أحد من الخلق أمثالكم ، وهذا هو المقصود بالذات الذي دعا اليه جميع الرسل ، وهو لازم للنهي عن الشرك الذي عبر به هنا لان الخطاب موجه إلى المشركين أولا وبالذات وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي والثاني مما أتلوه عليكم أو مما وصاكم به ربكم ان