الشيخ محمد رشيد رضا
185
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تحسنوا بالوالدين احسانا تاما كاملا لا تدخرون فيه وسعا ، ولا تألون فيه جهدا ، وهذا يستلزم ترك الإساءة وإن صغرت فكيف بالعقوق المقابل لغاية الاحسان وهو من أكبر كبائر المحرمات . وقد تكرر في الآن الان بين التوحيد والنهي عن الشرك وبين الامر بالاحسان للوالدين . وتقدم بعضه في سورة البة والنساء وسيأتي أوسع تفصيل فيه في وصايا سورة الإسراء ( أو بني إسرائيل ) التي بمعنى هذه الوصايا في هذه السورة وفيه النهي عن قول « أف » لهما . وقد اختير في هذه الآية وأمثالها الامر بالواجب من الاحسان على النهي عن مقابله المحرم وهو الإساءة مطلقا للايذان بأن الإساءة اليهما ليس من شأنها أن تقع فيحتاج إلى التصريح بالنهي عنها في مقام الايجاز لأنها خلاف ما تقتضي الفطرة السليمة والآداب المرعية عند جميع الأمم . وقد سبق في تفسير مثل هذه الجملة أن الاحسان يتعدى بالباء وإلى فيقال أحسن به وأحسن اليه ، والأول أبلغ ، فهو بالوالدين وذي البى أليق ، لان من أحسنت به هو من يتصل به برك وحسن معاملتك ويلتصق به مباشرة على مبة منك وعدم انفصال عنك - وأما من أحسنت اليه فهو الذي تسدى اليه برك ولو على بعد أو بالواسطة إذ هو شيء يساق اليه سوقا . ولم ترد هذه التعدية في التنزيل إلا في تعبيرين في مقامين ( أحدهما ) التعبير بالفعل حكاية عن يوسف عليه السّلام في سورته وهو قوله لأبيه وأخوته ( هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ) ( والثاني ) التعبير بالمصدر المفيد للتأكيد والمبالغة في مقام الاحسان بالوالدين في أربع سور البة والنساء وقد عطف فيهما ذو البى على الوالدين بالتبع - والانعام والاسراء . وفي سورة الأحقاف ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً ) كما أه الكوفيون من السبعة وأه الباقون ( حسنا ) كآية سورة العنكبوت التي رويت كلمة احسانا فيها من الشواذ . والظاهر أن الباء فيهما متعلقة بوصينا ولو لم يرد في التنزيل الا قوله تعالى ( وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) ولو غير مكرر لكفى في الدلالة على عظم عناية الشرع بأمر الوالدين بما تدل عليه الصيغة والتعدية فكيف وقد نه بعبادته وجعله ثانيها في الوصايا وأكده بما أكده به في سورة الإسراء كما ن شكرهما بشكره في وصية سورة لقمان فقال ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ) وورد في معنى التنزيل عدة أحاديث نكتفي منها بحديث