الشيخ محمد رشيد رضا

173

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد يقال أن الآية أوجزت أبلغ الايجاز في بيان ما حرم عليهم من الشحوم وما أحل لهم فلم لم يكن من مقتضى الايجاز أن يكون التعبير : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر وشحوم الب والغنم الا كذا وكذا منها ؟ وما نكتة هذا التعبير الخاص فيها ؟ نقول قد بين ذلك صاحب الكشاف بجعله « كقولك : من زيد أخذت ماله - تريد بالإضافة زيادة الربط ، والمعنى أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شيء منه وترك الب والغنم على التحليل لم يحرم منهما الا الشحوم الخالصة وهي الثروب وشحوم الكلى » اه وأقول إن المعنى المتبادر الذي تظهر فيه النكتة هو : ومن الب والغنم دون غيرهما مما أحل لهم من حيوان البر والبحر حرمنا عليهم شحومهما الزائدة التي تنتزع بسهولة لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم ، وأما ما حملت الظهور أو الحوايا أو ما اختلط بعظم فلم يحرم عليهم . فتقديم ذكر الب والغنم لبيان الحصر ، واختلف في الاستثناء هنا هل هو منقطع أو متصل من الشحوم ، وبنوا عليه أحكاما فيمن يحلف لا يأكل شحما فأكل مما استثنى ، والصواب أن مبني الايمان على العرف لا على حقيقة مدلول اللغة وكل منهما معروف عند أهله . وسبب تخصيص الب والغنم بالحكم هو أن الابين عندهم لا تكون إلا منهما وكان يتخذ من شحمهما المذكور الوقود للرب كما هو مفصل في الفصل الثالث من سفر اللاويين وقد صرح فيه بأنه الشحم الذي يغشى الأحشاء والكليتين والالية من عند العصعص ( أي دون ما في عظم العصعص ) وقال بعد التفصيل في أبين السلامة من الب والغنم بقسميه الضأن والمعز ما نصه « 3 : 16 كل الشحم للرب ( 17 ) فريضة في أجيالكم في جميع مساكنكم لا تأكلوا شيئا من الشحم ولا من الدم » اه ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ الإشارة إلى التحريم أو الجزاء المأخوذ من فعله أي جزيناهم إياه بسبب بغيهم وظلمهم ، قال قتادة في تفسير هذه الجملة : انما حرم اللّه ذلك عليهم عقوبة ببغيهم فشدد عليهم بذلك وما هو بخبيث ، وقد سبق تفصيل القول في ذلك في تفسير آية ( كُلُّ الطَّعامِ ) أول الجزء الرابع وتفسير فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ) في أواخر سورة النساء من أوائل الجزء السادس ( ص 59 منه ) ولما كان هذا الخبر عن شريعة اليهود من الانباء التي لم يكن النبي ( ص ) ولا قومه يعلمون منها شيئا لأميتهم وكان مطنة تكذيب المشركين لعدم إيمانهم بالوحي وجزمهم بان النبي ( ص ) ليس بأعلم منهم بشرع اليهود ، ومظنة تكذيب اليهود