الشيخ محمد رشيد رضا
174
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أن تحريم اللّه تعالى ذلك عليهم عقوبة لهم ببغيهم وظلمهم المبين في آيات أخرى قال تعالى بعده وَإِنَّا لَصادِقُونَ فاكد حقية الخبر وصدق المخبر بان والجملة الاسمية المعرفة الطرفين ولام القسم ، أي صادقون في هذه الأخبار عن التحريم وعلته لان اخبارنا صادرة عن العلم المحيط بكل شيء والكذب محال علينا لاستحالة كل نقص على الخالق . * * * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ أي فان كذبك كفار قومك أو اليهود في هذا وهو المروى عن مجاهد والسدى قيل وهو الذي يقتضيه الظاهر لأنهم أب ذكرا والصواب انه خلاف الظاهر من جهة السياق فان الكلام في محاجة المشركين الجاهلين فهم المقصودون بالخطاب بالذات ، الا أنه يمكن أن يقوى بالجواب ، وهو أن اليهود لما كان يثقل عليهم أن يكون بعض شرعهم عقابا لهم للتشديد في تربيتهم على ما كان من بغيهم على الناس وظلمهم لهم ولأنفسهم وتمردهم على رسولهم ينتظر منهم أن يكذبوا الخبر من حيث تعليله بما ذكر ويحتجوا على انكار كونه عقوبة بكون الشرع رحمة من اللّه ولذلك أمر اللّه رسوله أن يجيبهم بما يدحض هذه الشبهة باثباته لهم ان رحمة اللّه تعالى واسعة حقيقة ولكن سعتها لا تقتضي أن يرد بأسه ويمنع عقابه عن القوم المجرمين والبأس الشدة والمكروه ، وإصابة الناس بالمكاره والشدائد عقابا على جرائم ارتكبوها قد يكون رحمة بهم وقد يكون عبرة وموعظة لغيرهم لينتهوا عن مثلها أو ليتربوا على ترك الترف والخنوثة فتقوى عزائمهم وتعلو هممهم فيربؤا بأنفسهم عن الجرائم والمنكرات ، وهذا العقاب من سنن اللّه تعالى المطردة في الأقوام والأمم وان لم يطرد في الافراد لقصر أعمارهم ، وقد بينا ذلك في التفسير مرارا كثيرة ولذلك قال ( عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) ولم يقل عن المجرمين . وذهب بعض المفسرين إلى أن تكذيب اليهود لهذا الخبر انما هو بزعمهم أن يعقوب هو الذي حرم على نفسه الإبل أو عرق النسا كما قالوه في تفسير ( إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ) وهو من الإسرائيليات التي كان بعض اليهود بغش بها المسلمين عندما خالطوهم وعاشروهم كما بيناه في تفسير تلك الآية وجرينا عليه آنفا في تفسير آية التحريم هنا ويمكن توجيه هذا الجواب في تكذيب مشركي مكة بأنه تهديد لهم إذا أصروا