الشيخ محمد رشيد رضا
156
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
علفها نجسا . فحديث أنس شاهد يقوي حديث غالب بن أبجر لأنه بمعناه لا معارض له فيجعل شاذا بمخالفته إياه فلا يضره اضطراب سنده إذا مع عدم الطعن برجاله . وحديث أم نصر المحاربية يقوي ما ذكرناه بتعليله حل لحوم الحمر بكونها تأكل الكلأ وورق الشجر أي لا النجاسة - فالحديثان متفقان في المعنى مع حديث أنس الذي هو عمدة القائلين بتحريم الحمر وانما يجمع بين هذه الأحاديث وبين الآية بل الآيات القطعية اللفظ والدلالة على الإباحة بأن التحريم كان عارضا موقتا فيقصر على وجود العلة في كل زمان ومكان ويباح في سائر الأحوال على الأصل ومقتضى النص القطي وهذا لا يمنع صحة تعليل بعض الصحابة إياه بقلة الظهر أي ما يحمل عليه فإنه كان سبب النهي في حديث أنس وتلاه قوله فإنها رجس . وما قيل من معارضته بحل الخيل مردود بأن المراد بالحاجة إلى الحمل هي حمل المتاع من الغنائم وغيرها ولم تكن الخيل تستعمل لهذا ولا تفي به وقد صرحوا بأنها كانت عزيزة وقتئذ . ولو كانت الحمير نجسة العين شرعا لورد ذلك صريحا من أول الاسلام وتوفرت دواعي نقله وتواتر العمل بمقتضاه . واكفاء القدور وغسلها لو لم يكن للرجس العارض من أكلها العذرة لتعين ان يكون لمحض النظافة كما يفعل جميع الناس في جميع القدور التي يطبخون فيها لحوم الانعام وغيرها من الطيبات فإنهم يغسلونها بعد فراغها . وأما جوابهم عن الآية بأنها مكية بينت ما كان محرما وقت نزولها وليس فيها ما يمنع تحريم غيره بعدها كتحريم الخمر والمنخنقة والموقوذة الخ فهو غفلة وقع فيها كثير من الحفاظ والمفسرين والفقهاء وجل من لا ينسى ولا يخطئ . الآية قد أكدتها آية مكية بعدها في سورة النحل وآية مدنية في سورة البة كما ذكرنا وسيأتي شرحه . وتحريم الخمر ليس زائدا على مفهوم الآية لان الآية في الأطعمة والأغذية وبهذا يرد قول من أورد على الحصر اكل النجاسات والسموم فان هذه الأشياء ليست أطعمة فتدخل في عموم الآية وكذلك الخمر . وقد تقدم أن المنخنقة وما عطف عليها في آية المائدة من الميتة وأما تحريم السباع والحشرات فليس في الآن ، وما ورد في السنة منه فهو موضوع البحث كالحمر الانسية وقد علمت المختار القوي فيه ، فهذا بيان بطلان ما أجابوا به عنها بالاجمال وسيأتي تفصيل فيه يب . ومن غرائب السهو ذكر الحافظ ان ما أهل به لغير اللّه مما حرم بعدها وهو فيها