الشيخ محمد رشيد رضا
157
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما ما ورد في أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير بلفظ النهي فليس نصا في التحريم لاحتماله الكراهة وترجيح الاحتمال بدفع التعارض بينه وبين الحصر في الآيات الثلاث متعين على أنه يرد على الحديث أنه كان غير معروف عند علماء الحديث في الحجاز ولو حرم تحريما قطعيا في غزوة مشهورة لنقل بالتواتر وفي الصحيحين من رواية ابن شهاب الزهري انه لم يسمع هذا النهي في الحجاز حتى إذا جاء الشام سمعه من أبي إدريس الخولاني وفي بعض طرقه مالك وهو يقول بكراهة أكل السباع لا بتحريمها فالظاهر أن سبب حمله النهي على الكراهة الآيات واستباحة أهل المدينة لاكل السباع إذ كان يحتج بعملهم في مثل هذا - وأما حديث أبي هريرة الذي انفرد به مسلم بلفظ « فأكله حرام » فيحتمل أنه من الرواية بالمعنى أي أنه فهم من النهي التحريم فعبر به وهذا كثير في أحاديثه ككثرة مراسيله . ومما يعل به الحديث بعض الفقهاء أن يكون راويه فقيها ومذهبه مخالف لروايته فالحنفية يرون أنه لو لم يكن يرى أن الحديث لا يحتج به لما خالفه وناهيك بمثل الامام مالك في علم الحديث وفقهه وهو من رواته . وحديثا جابر والعرباض المصرحين بالتحريم ليسا صحيحين وانما حسنا لموافقتهما لأحاديث الصحيحين ولا سيما حديث أبي هريرة . على أنهما قالا : حرم رسول اللّه كذا وكذا فالظاهر أنه تعبير عما فهما من كون النهي للتحريم فليس له قوة المرفوع . وقد علم من سائر الروايات الواردة فيما نهى عنه النبي ( ص ) في خيبر ان الصحابة قد اختلفوا في هذا انتهي فذهب بعضهم إلى أنه عارض موقت وفهم آخرون أنه قطعي فالمسألة خلافية قال الحافظ في شرح حديث أبي ثعلبة من الفتح : قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم وعن بعضهم أنه لا يحرم وحكى ابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك كالجمهور وقال ابن العربي : المشهور عنه الكراهة . وقال ابن عبد البر : اختلف فيه على ابن عباس وعائشة وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير ( يعني عدم التحريم ) واحتجوا بعموم ( قُلْ لا أَجِدُ ) والجواب انها مكية وحديث التحريم بعد الهجرة . ثم ذكر نحو ما تقدم من أن نص الآية عدم تحريم غير ما ذكر إذ ذاك فليس فيها نفي ما سيأتي . وعن بعضهم ان آية الانعام خاصة ببهيمة الانعام لأنه تقدم قبلها حكاية عن الجاهلية انهم كانوا يحرمون أشياء من الأزواج الثمانية بآرائهم فنزلت الآية ( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ) أي من المذكورات إلا الميتة والدم المسفوح