الشيخ محمد رشيد رضا
139
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والحد الذي ينهي عن تجاوزه اما شرعي كتجاوز الحلال من الطعام والشراب وما يتعلق بهما إلى الحرام واما فطري طبعي وهو تجاوز حد الشبع إلى البطنة الضارة ( والوجه الثاني ) لا تسرفوا في الصدقة أي في امرها قال السدي أي لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فاء ، وعن ابن جريج قال : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جد نخلا فقال لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليس له ثمرة فأنزل اللّه ( وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) ولكن ثابتا من الأنصار ومعنى الرواية أنها نزلت يوم نزلت بمكة في حكم مثل هذا العمل كما تقدم نظيره مرارا ومثله قول أبي العالية كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة ثم إنهم تباذروا وأسرفوا فانزل اللّه ( وَلا تُسْرِفُوا ) الخ وجعل بعضهم الاسراف في أمر الصدقة منعها فعن سعيد ابن المسيب في قوله ( وَلا تُسْرِفُوا ) قال : لا تمنعوا الصدقة فتعصوا . وجعله بعضهم خاصا بالحكام الذين يأخذون الصدقات فعن زيد بن أسلم في قوله ( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ) قال عشوره ، وقال للولاة ( وَلا تُسْرِفُوا ) لا تأخذوا ما ليس لكم بحق فأمر هؤلاء بان يؤدوا حقه وأمر الولاة بان لا يأخذوا إلا الحق ( والوجه الثالث ) أن النهي عام يشمل الاسراف في أكل الانسان من ماله بغير سرف وفي انفاقه على غيره من صدقة وغيرها ، فالاسراف مذموم في كل شيء ، واليه ذهب عطاء واختاره ابن جرير ونقله ابن كثير عنه وقال لا شك أنه صحيح أي في نفسه لا في عبارة الآية فإنه اختار فيها أن الوجه الأول هو الظاهر - وهو كما قال بالنظر إلى مورد الآية وسياقها ولذلك قدمناه وأيدناه بآيتي الأعراف والمائدة وهذا لا يمنع دلالة اللفظ بعمومه مع صرف النظر عن موقعه على النهي عن كل إسراف وناهيك بتعليل النهي بكونه تعالى لا يحب المسرفين وقد وصف اللّه عباده الصالحين بقوله ( وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ) وقال ( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) وقال ( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) * * * ( وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً ) أي وأنشأ من الانعام حمولة وهي ما يحمل عليه الناس الأثقال من الإبل والب وهو كبارها - وهي كالركوبة لما يركب لا واحد له من لفظه - وفرشا وهو ما يفرش للذبح من الضأن والمعز وكذا صغار الإبل والب أو ما يتخذ الفرش من صوفه ووبره وشعره ، وقد روي نحو هذا عن