الشيخ محمد رشيد رضا
135
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
متشابها في المنظر وغير متشابه في المطعم قاله ابن جريج ، قيل إن المراد التشابه بين الزيتون والرمان في شكل الورق دون الثمر ، وقيل بل المراد ما بين أنواع الرمان من التشابه في الشجر والثمر مع التفاوت في الطعم من حلو وحامض ومز وفي لون الحب من أحمر قانيء قمد أو فقاعي وأبيض ناصع أو أزهر مشرب بحمرة . ويراجع في هذا وفي مكان الزيتون والرمان مما ذكر قبله تفسير الآية ( 98 ) من هذه السورة ومنه تعلم وجه تخصيص هذين النوعين بالذكر ( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ ) أي كلوا من ثمر ذلك الذي ذكر من أول الآية على ما اخترناه في قوله مختلفا أكله وسيأتي معنى هذا الشرط . وقد قالوا إن الامر هنا للإباحة أي بعد أن آذن اللّه تعالى عباده بأنه هو الذي أنشأ لهم ما في الأرض من الشجر والنبات الذي يستغلون منه أقواتهم آذنهم بأنه أباحه كله لهم فليس لأحد غيره أن يحرم شيئا منه عليهم ، لان التحريم حق للرب الخالق للعباد وللاقوات جميعا فمن انتحله لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى ، ومن أذعن لتحريم غير اللّه وأطاعه فيه فقد أشركه معه سبحانه وتعالى ، كما علم من تفسير الآيات التي قبل هذه ويؤكده ما في الآيات بعدها والكلام في التحريم الديني كما هو ظاهر . وأما منع بعض الناس من بعض هذا الثمر لسبب غير التشريع الديني فلا شرك فيه ، وقد يوافق بعض أدلة الشرع فيكون منعا شرعيا أي تحريما كمنع الطبيب بعض المرضى من أكل الخبز أو الثمر لأنه يضره ، فمن ثبت عنده بشهادة الطبيب الثقة ان التمر يضره مثلا حرم عليه أن يأكله ، وهذا التحريم ليس تشريعا من الطبيب بل اللّه تعالى هو الذي حرم كل ضار وانما الطبيب معرف للمريض بأنه ضار فلا فرق بينه وبين من يخبر بان هذا الطعام قد طبخ بلحم الخنزير أو لحم كبش أهل به لغير اللّه فيحرم على كل من صدقه أكله ما لم يكن مضطرا اليه . وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطير في بعض الأحوال للمصلحة العامة كالحاجة إلى كثرته في حفظ بعض الزرع لأنه يأكل الحشرات المهلكة له مثلا . ولكن مثل هذين ليس تحريما ذاتيا لما ذكر يدوم بدوامه بل موقت بدوام سببه ، ولا هو مبني على أن للسلطان أن يحرم شيئا بمحض ارادته وانما هو مكلف شرعا بصيانة المصالح ودرء المفاسد فإذا أخطأ في اجتهاده بشيء من ذلك وجب على الأمة الانكار عليه ووجب عليه الرجوع إلى الحق .