الشيخ محمد رشيد رضا

134

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ) فترتيب الأقوات في هذه الآية على طريق التدلي من الأعلى في الاقتيات إلى الأدنى فالأدنى ، والفرق بينهما أن هذه جاءت في مقام سرد الآيات الكونية على وحدانية اللّه وقدرته وحكمته ورحمته بعباده . وقبلها آيات في آياته في العالم العلوي وفي خلق الانسان وهو دونه وعالم النبات أدنى منهما فروعي التدلي في أنواعه كما روعي فيما بينه وبين ما قبله . والمقام في الآية التي نفسرها وما بعدها مقام ذكر الأقوات لبيان شرع منشئها في إباحتها في مقابلة ضلال المشركين فيما ذكر قبلها من التحليل والتحريم باهواء الشرك وهو قوله ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ) الخ فقدم هنالك الحرث على الانعام لان ضلالهم فيه أقل من ضلالهم فيها . وجرى هنا على هذا الترتيب فذكر الحرث أولا لما ذكر وترقى إلى ذكر الانعام لكثرة ضلالهم فيها وما يحتاج اليه من تفصيل القول الحق في ذلك ، وهو انتقال من المهم إلى الأهم في المعنى المراد وتأخير لما اقتضت الحال إطالة القول فيه على الأصل . فحسن الترقي في ذكر أنواع الأقوات الباتية تفصيلا كما حسن فيما بينها بجملتها وبين الأقوات الحيوانية . ولما ذكرنا من اختلاف المقام في الآيتين قال في آية ( 89 انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ ) وقال هنا ( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ) ولم أر أحدا تعرض لهذه النكت هنا أنشأ تعالى ما ذكر ( مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ * الاكل ما يؤكل وفيه لغتان ضم الهمزة والكاف وبه أجمهور آلاء - وسكون الكاف مع ضم الهمزة وبه أنافع وابن كثير والضمير فيه قيل إنه راجع إلى الزرع ومنه يعلم حكم ما قبله وقيل بالعكس والأرجح أنه راجع إلى كل ما قبله والمعنى أنه أنشأ ما ذكر من الجنات والنخل والزرع حال كونه مختلفا ثمره الذي يؤكل منه في شكله ولونه وطعمه وريحه عندما يوجد أي قدر الاختلاف فيه عند انشائه . فهو كقوله تعالى في سورة يس بعد ذكر الحب وجنات النخيل والأعناب ( لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ ) أي ثمر المذكور قاله الزمخشري وجها واستشهد له ولمثله في آيات أخرى بقول رؤبة بن العجاج فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق وقال إنه قيل له في ذلك - أي لم قال كأنه ولم يقل كأنها وهي جمع مؤنث - فقال أردت كأن ذلك . والذي راجعه فيه هو الراوية أبو عبيدة ( وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ ) أي وأنشأ الزيتون والرمان