الشيخ محمد رشيد رضا

110

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ونقول إن كلا من المعنيين صحيح في نفسه ومذهبنا أنه لا مانع من إرادة اللّه تعالى لكل ما يحتمله نظم كتابه من معنى صحيح . وقد ورد في هذا الموضوع عدة آيات منها ما هو نص في اهلاك إلى بظلمها ومنها ما هو بيان لسنته تعالى في ذلك كهذه الآية . ومن الأول قوله تعالى في سورة هود ( 11 : 103 وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ومن الثاني قوله فيها ( 118 وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) وقد جزم بعضهم بأن المراد بالظلم هنا الشرك واستدلوا عليه بما صح مرفوعا من تفسيره به في معنى قوله تعالى ( 6 : 83 الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ ) الآية واستشهاد الحديث على ذلك بقول لقمان الذي حكاه اللّه عنه ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) وقد بينا في تفسير تلك الآية أن الظلم انما صح تفسيره فيها بالشرك الذي هو أعظم الظلم - وهو نكرة في سياق النفي - لأنه وارد في الظلم الذي يلبس به الايمان فصح فيه العموم المقيد الذي ورد فيه لان قليل الشرك يفسد الايمان ككثيره . وأما الظلم في الآية التي نفسرها الآن وفي آية هود المماثلة لها فقد ورد نكرة في سياق النفي في مقام بيان سبب اهلاك إلى فيجب أن يكون العموم فيه مطلقا لما أثبت في الآيات الأخرى المؤيدة بوقائع التاريخ من هلاك الأمم بالظلم في الاعمال والاحكام ، وبقائها زمنا طويلا مع الشرك إذا كانت مصلحة فيهما كما هو ظاهر آية هود . وللّه در الحافظ ابن كثير فإنه نقل عبارة الإمام ابن جرير بالمعنى فقال في الوجه الأول : بالشرك ونحوه أي وما يشبهه من الظلم في الاعمال والاحكام - فأشار إلى العموم ، وعبارة ابن جرير : بشرك من أشرك وكفر من كفر من أهلها كما قال لقمان ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) - وهي تنافي صيغة العموم وسبحان من لا يخطئ ولا يعزب عن علمه شيء . هذا واننا قد فصلنا من قبل ما ذكرناه آنفا بالاجمال من أن عقاب اللّه تعالى للأمم وكذا للافراد في الدنيا والآخرة - أنواع وان منه ما يسمى عذاب الاستئصال لمن عاندوا الرسل بعد أن جاءوهم بما اقترحوا عليهم من الآيات الكونية وأنذروهم الهلاك إذا لم يؤمنوا بعد تأييد اللّه إياهم بها كعاد وثمود وقوم لوط فسنة اللّه في ذلك خاصة وقد انقطعت بانقطاع ارسال الرسل إذ ليست جارية على سائر سنن الاجتماع . ومنه هلاك الأمم بما يغلب عليها من الظلم أو الفسق والفجور الذي