الشيخ محمد رشيد رضا

111

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يفسد الاخلاق ويقطع روابط الاجتماع ويجعل بأس الأمة بينها شديدا فيكون ذلك سببا اجتماعيا لسلب استقلالها وذهاب ملكها بحسب سنن الاجتماع - وقد أنذرنا اللّه هذا في كتابه وعلى لسان رسوله كما شرحناه من قبل فيراجع تفصيل ذلك فيما مضى من التفسير « 1 » ثم إن هذه الآية وما في معناها من الآيات - كآية هود - من قواعد علم الاجتماع البشري الذي لا يزال في طور الوضع والتدوين وهو العلم بسنن اللّه تعالى في قوة الأمم والشعوب وضعفها وعزها وذلها وغناها وفها وبداوتها وحضارتها وأعمالهما ونحو ذلك . وفائدة هذا العلم في الأمم كفائدة علم النحو والبيان في حفظ اللغة ، وفي الآن الحكيم أهم قواعده وأصوله وقد سبق بعض الحكماء المسلمين إلى بيان بعضها وبدأ ابن خلدون بجعله علما مدونا يرتقي بالتدريج كغيره من العلوم والفنون ، ولكن استفاد غير المسلمين مما كتبه في ذلك وبنوا عليه ووسعوه فكان من العلوم التي سادوا بها على المسلمين الذين لم يستفيدوا منه كما كان يجب لأنه كتب في طور تدليهم وانحطاطهم بل لم يستفيدوا من هداية الآن العليا في إقامة أمر ملكهم وحضارتهم على ما أرشدهم اليه من القواعد وسنن اللّه تعالى فيمن قبلهم . ولا يزالون معرضين عن هذا الرشد والهداية على شدة حاجتهم إليها بسبب ما وصل اليه تنازع البقاء بين الأمم في هذا العصر ، وإنا نرى بعضهم يعزي نفسه عن ضعف أمته ويعتذر عن تقصيرها بالقدر الذي يفهمه مقلوبا بمعنى الجبر أو يسليها بأن هذا من علامات الساعة ، وارتكس بعضهم في حمأة جهله بالاسلام حتى ارتدوا عنه سرا أو جهرا زاعمين ان تعاليمه هي التي أضعفتهم وأضاعت عليهم ملكهم ، والتمسوا هداية غير هدايته ليقيموا بها دنياهم ، فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين * * * وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا أي ولكل من معشري الجن والانس الذين بلغتهم دعوة الرسل درجات ومنازل من جزاء أعمالهم تتفاوت بتفاوتهم فيها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ بل هو عالم به ومحصيه عليهم ، فجزاء سيئة سيئة مثلها ، ويضاعف اللّه الحسنات دون السيئات ، لان الفضل ما كان فوق

--> ( 1 ) يراجع في جزء التفسير 7 ص 308 و 325 و 493 وكذا لفظ الأمم والعذاب والجزاء وسنة اللّه في فهرسه وفهارس سائر الأجزاء