الشيخ محمد رشيد رضا

109

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ أي ذلك الذي ذكر من اتيان الرسل يقصون على الأمم آيات اللّه تعالى في الاصلاح الروحي والاجتماعي وينذرونهم يوم الحشر والجزاء بسبب ان ربك أيها الرسول المبعوث بالاصلاح الأكمل لبقية الأمم كلها لم يكن من شأنه ولا من سننه في تربية خلقه أن يهلك إلى أي الأمم « 1 » بعذاب الاستئصال الذي أوعد به مكذبي الرسل ولا بعذاب فقد الاستقلال الذي أوعد به مخالفي هدايتهم بعد قبولها - بظلم منه لهم أو بظلم منهم وهم غافلون عما يجب عليهم أن يتقوا به هذا الهلاك ، بل يتقدم هلاك كل أمة ارسال رسول يبلغها ما يجب أن تكون عليه من الصلاح والحق والعدل والفضائل بما يقصه عليها من آيات الوحي في عصره ، أو بما ينقل إليها من يبلغونها دعوته من بعده ، فإنما العبرة بالدعوة التي تنبه أهل الغفلة ، فلا يكون أخذهم على غرة ، ذلك بأن من حكمة اللّه تعالى في الأمم جعل جميع ما ينزل بهم من عقاب جزاء على عمل استحقوه به فيكون عقابهم تربية لمن يسلم منهم ولكل من عرف سنة اللّه في ذلك ، ولهذا عبر بلفظ الرب ، ومنه يعلم أن له تعالى الحجة البالغة على خلقه بأنه لا يظلمهم شيئا وانما هم الذين يظلمون أنفسهم . وان الاهلاك والتعذيب ليس صفة من صفاته النفسية التي لا بد من وقوع متعلقها سواء أذنب المكلفون أم لم يذنبوا ، بل هو من أفعاله التي يربي بها عباده أشرنا إلى أن قوله « بِظُلْمٍ » فيه وجهان للمفسرين بيناهما بما رأيت وقد سبق إلى ذلك شيخهم ابن جرير الطبري ولخص قوله الحافظ ابن كثير وشايعه عليه قال : قال الإمام أبو جعفر ابن جرير : ويحتمل قوله تعالى « بِظُلْمٍ » وجهين أحدهما - ذلك من أجل أن لم يكن ربك ليهلك إلى بظلم أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون . يقول لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم من ينبههم على حجج اللّه عليهم وينذرهم عذاب اللّه يوم معادهم ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، والوجه الثاني : ذلك أن لم يكن ربك مهلك إلى بظلم - يقول لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك واللّه غير ظلام للعبيد . ثم شرع يرجح الوجه الأول ولا شك أنه أقوى واللّه أعلم اه

--> ( 1 ) تقدم تحقيق ذلك يبا في تفسير الآية 122 ص 33 ج 8 تفسير