الشيخ محمد رشيد رضا

7

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

شنشنتهم ، وهي أنهم لا يعملون شيئا الا لمصلحتهم . ويمكن ان يستنبط ما تركه اللّه هنا من بيان سبب شدة عداوة هؤلاء وأولئك مما بينه من سبب قرب مودة النصارى بقوله عز وجل ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ أي ذلك - الذي ذكر من كون النصارى أقرب مودة للذين آمنوا - بسبب أن منهم قسيسين يتولون تعليمهم وتربيتهم الدينية ، ورهبانا يمثلون فيهم الزهد وترك نعيم الدنيا والخوف من اللّه عز وجل والانقطاع لعبادته . وانهم لا يستكبرون عن الاذعان للحق إذا ظهر لهم انه الحق ، لأن أشهر آداب دينهم التواضع والتذلل ، وقبول كل سلطة ، والخضوع لكل حاكم ، بل من المشهور فيها الأمر بمحبة الأعداء ، وإدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن . فتداول هذه الوصايا ، ووجود أولئك القسيسين والرهبان ، لا بد أن يؤثر في نفوس جمهور الأمة وسوادها ، فيضعف صفة الاستكبار عن قبول الحق فيها . وقد عهد من النصارى قبول سلطة المخالف لهم طوعا واختيارا ، والرضاء بها سرا وجهارا ، وأما اليهود فإذا اظهروا الرضا بذلك اضطرارا ، أسرّوا الكيد اسرارا ، ومكروا مكرا كبّارا فتلك كانت صفات الفريقين الغالبة ، لا أخلاق أفراد الأمتين كافة ، ففي كل قوم خبيثون وطيبون ، ( وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) ولكن شريعة اليهود نفسها تربي في نفوسهم الأثرة الجنسية لأنها خاصة بشعب إسرائيل ، وكل أحكامها ونصوصها مبنية على ذلك وحكمة ذلك ان المراد منها تربية أمة موحدة بين أمم الوثنية الكثيرة بعد إنقاذها من استعباد أشد أولئك الوثنيين بطشا وأضراهم بالاستبداد - وهي أمة الفراعنة - ولو أذن اللّه لبني إسرائيل بعد انجائهم من مصر إلى الأرض المقدسة أن يخالطوا الأمم التي كانت فيها ، وجعل شريعتهم عامة مبنية على قواعد المساواة بين الإسرائيليين وغيرهم - كالشريعة الاسلامية - لغلبت تعاليم أولئك الوثنيين وشرورهم على الإسرائيليين لقرب عهدهم بالتوحيد ، مع استعدادهم الوراثي لقبول تقاليد غيرهم والخضوع لهم ، ولذلك أمروا بأن لا يبقوا في الأرض المقدسة نسمة ما ممن كان فيها قبلهم . وكان